الرئيسية / الرئيسية / حوار مع المناضلة بخيتة عبدالله (أم المناضلين)

حوار مع المناضلة بخيتة عبدالله (أم المناضلين)

المناضلة  / بخيته عبدالله محمد محمود (ام المناضلين)

حاورتها الأستاذة / سهير قندفل.

انطباعي عنها جميلة وواثقة من نفسها قابلتني بإبتسامة رائعة (وأصرت أن تنزل من الطابق الأول لاستقبالي بالرغم من مشقة السلم بالنسبة لما تعانيه الآن) وكأنها تقول رغم المرض والتقدم في العمر نحن أصحاب عزيمة قوية وروح مقاتلة ، هكذا هم جيل البطولات أمهاتنا من الرعيل الأول عطاء غير محدود وتضحيات جسام.

مجرد أن جلسنا بدأت (بعفوية) تحكي عن الثورة والبدايات  الأولى القوية بفرح (هن اللاتي عايشن عنفوان الثورة وكان يحدوهم الأمل بتحقيق الحلم) ، وهي مسترسلة في حديثها الشيق عن الثورة  فاجأتها بقطع استرسالها عندما قلت لها :

  • يجب أن نبدأ ببطاقتكِ الشخصية اولا ؟

قالت ليس مهم ، المهم أن نكتب تاريخ الثورة فقلت لها ونحن المهم عندنا أن نتعرف عليك أولاً ثم نكتب فضحكت قائلة:

أنا بخيتة عبدالله محمد محمود ، ولدت في مدينة (أغردات)، والأسرة تنحدر من منطقة (فانا) بالقرب من (حقات) ضواحي مدينة (كرن) ، الوالد عبدالله محمد توفى في هجوم لقوات الباندة الاثيوبية على مدينة بارنتو 1968م.

لديّ أربعة إخوة هم عثمان لم نعرف عنه شيء منذ أن اختطفته العصابات الاثيوبية ، وحسن وهو من جرحى حرب التحرير (بترت ساقيه في حرب التحرير)، ثم بشير وهو كادر منظم (عمال)، ثم صالح وجمال وأربعة من الأخوات.

  • الثورة ككل البدايات واجهت مشكلات عديدة مثل المال والسلاح ، وكانت المعارك عبارة عن كر وفر ، لذا لم يكن هنالك تجنيد للنساء كما حدث لاحقاً ، فمن أين أتتكِ فكرة الإلتحاق بالثورة ، والقتال مع المناضلين في خندقا واحد؟

هنالك واقعة حدثت معي وأنا طفلة في مدينة (بارنتو) ، كنت أخرج في الصباح لجلب الماء ،  وفي إحدى المرات  قابلت جنود وهم يجرون أسيراً وقد أدمت ساقيه ، فأخبرت أبي بذلك فهون علي قائلا: قد يكون مجرماً أو ما شابه ذلك ، ثم تكرر المشهد أربعة أو خمسة مرات قبل أن يشنق هذا الأسير، ولاحقا عرفت أنه الشهيد البطل (محمد ايرا). بعدها إشتدت الأحداث فغادرنا إلى السودان(1964م) ونزلنا في منزل خالي بالميرغنية ، وعرفت أن معظم البيوت هنا تستخدم مكاتب او نقاط التقاء ، وهنالك وبشكل دوري اجتماعات للخلايا ، وأذكر من المناضلين الذين كانوا يعقدون اجتماعات للخلايا (محمد علي فكي ، شنقباي ، ومحمود مرانت) ، بدأت أحضر بعض هذه الاجتماعات وأناقش ، وأفهم المتغيرات بالساحة ، وبالرغم من أن حركة الجنود كانت في تزايد مستمر، لم يسمح للمرأة بالخروج للميدان.

  • كيف تقبلتي هذا القرار قرار عدم السماح للمرأة بالخروج للميدان؟

بداية عام1965م بدأت عملية تدريب بعض الكوادر الصحية فالتحقت معهم وتعلمت أبجديات التمريض ،وكان التدريب بسيط وعلى أيدي ممرضين تعلموا التمريض بالممارسة، بدأت العمل معهم في العيادة وعندما أقول عيادة ليس بالمعنى المعروف الآن للعيادات إنما كانت غرفة صغيرة في منزل أسرة إرترية وكنا نعمل فيها بالسر. طول فترة عملي هذه وأنا أتحين الفرصة للخروج ، وكنت أسأل في اجتماعات الخلايا لماذا لا يسمح للمرأة بالخروج ؟ لماذا لا تحمل المرأة السلاح وتقاتل جنباً لجنب مع الرجل؟ لم أجد إجابة كل ما هناك انتظري سوف يأتي دوركم.

هنا خطرت لي فكرة أن أخرج لوحدي عن طريق الساحل ، فورا تقدمت بطلب نقلي الى  العيادة في بورتسودان وتم لي ما أردت ، ذهبت إلى بورتسودان وكانت العيادة في حي (ديم النور) وبدأت العمل وأنا أفكر في كيفية الخروج ، ولكن للأسف وجدت صعوبة أكبر مما تصورت ، فرجعت لكسلا وكلي خيبة أمل.

في كسلا رجعت للعيادة وبعد فترة (لحسن حظي) صادف خروج بعض المناضلين منهم المناضل عمر حاج إدريس ، والشهيد باشميل ، والمناضل ياسين صالح وآخرون إلى الميدان فذهبت معهم، كان خروجي كممرضة بالنسبة لهم وأنا كنت أخطط لحمل السلاح، في الميدان كانت العيادة عبارة عن شنطة أحملها على ظهري أينما ذهبت ، ولم تكن هنالك أماكن ثابتة كنا في حالة كر وفر ، فكنت أعالج كل من جرح أو مرض ، وأتنقل بينهم  والشنطة على ظهري، ومع تزايد الجرحى وقلة الممرضين(كنت الممرضة الوحيدة وسط مجموع من المرضين) لم تتح لي فرصة لحمل السلاح.

  • إذاً رغم خروجكِ للميدان إلا أن عملك انحصر في التمريض ولم تحملي السلاح ، ولكن مع إنتشار الثورة وكثرة العمل الم تكلفي باي مهام اخرى

كلفت ببعض المهام هنا وهناك ولكن أهمها مهمتين الأولى : كنا نتمركز في جبل بالقرب من مدينة (حقات) وكانت الإدارة هنا في تواصل مع السودان ، ولكن لم تكن هنالك أي أخبار عن الساحل ، وكان الساحل يتواصل مع السودان من جهة أخرى ، وقد كلفت بالذهاب الى السودان وجلب معلومات  عن الأوضاع في الساحل من مكتب كسلا، وعلى الفور تحركت إلى السودان ، وسافرت دون توقف إلى أن وصلت كسلا، و في كسلا توجهت إلى المكتب وقابلت المناضل حامد حسين (ممثل الجبهة في كسلا) وأخبرته بما طلب مني ، فقام على الفور بجمع المعلومات في ورقة واحدة ثم ثناها أكثر من مرة ثم خيطنا الورقة (بالابرة والخيط) على أرضية حذائي من الداخل ، ولبست الحذاء وتحركت عائدة، وجدت جماعة ذاهبة إلى علي قدر فذهبت معهم ، وفي علي قدر نزلت في بيت أختي وكان زوجها في البوليس الارتري ، فأخبرته بأني ذاهبة الى عمي في (حقات) ، وسألني لماذا؟ ومن اين أتيتي ؟ قلت له جئت من السودان وذاهبة لعمي لواجب العزاء (كان إبن عمي قد توفى قبل فترة) ، فوافق على ذهابي  بل أوصى لي  زميله برتبة شاويش ، وبالفعل ذهبت معهم ووصلت (حقات) من غير أن اتعرض لاي مساءلة أو تفتيش ، ونزلت في بيت عمي، وفي المساء جاء شخص إسمه إسماعيل (وكان مراسل الجبهة في تلك المنطقة) يبحث عني ليعرف الخبر هل وصلت أم قبض علي؟ ولكني خرجت وقابلته وذهبت معه في نفس الليلة سيرا على الاقدام الى منطقة (انجينق) بالقرب من (حقات) ، ووصلنا قبل طلوع الشمس ، وفوراً أخرجت الورقة وسلمتها للمناضلين (الزين ياسين ، عمرحاج إدريس).

اما الثانية : ونحن في هذه المنطقة (حقات) بدأت معركة بالقرب منا  وما هي إلا سويعات وأنتهت المعركة وقد فقدنا فيها أحد المناضلين وهو المناضل محمد خيري ولم نعرف هل قتل ام أسر؟ وكانت آخر مرة شوهد فيها كان جريحا ثم جاءت معلومات تفيد أنه نقل إلى مستشفى (كرن) ،هنا طُلب مني الذهاب والتأكد من صحة الخبر، ذهبت إلى (كرن) وكان عمي أيضاً موجود في (كرن) فنزلت عنده ، وفي الصباح إشتريت فاكهة (جوافة) للتمويه (وتقول ضاحكة كانوا ثلاث حبات فقط) ، ودخلت المستشفى وعندما وصلت العنابر رأيت المناضل ولكن تجاهلته حسب التعليمات إلا أن الحرس أوقفني وسألني هل تريدين هذا ؟ وأشار إلى المناضل محمد خيري فقلت لهم : لا الشخص الذي أتيت لزيارته قد خرج ، فقال لي إذن أعطي الفاكهة لهذا التعيس ، فأعطيت حبات الجوافة للمناضل محمد خيري وخرجت وأنا أحمد ربي على نجاح مهمتي ، وبينما أنا أغادر المستشفى رأيت شخصا كان معنا ولكن شكت الجبهة في أنه جاسوس فأبعد ومن يومها لم يراه أحد ، لكنه هذه المرة وعلى غير المتوقع تفاجأته به أمامي و رمقني بنظرة طاش منها صوابي وخرجت مهرولة لا أعرف ماذا أفعل ثم توقفت من الهرولة واشتريت كمية من الطماطم (إلى يومنا هذا لا أعرف لماذا اشتريتها)  ، وخرجت لشارع جانبي تغمره مياه الصرف الصحي ورائحته بشعة فقطعته دون أن أشعر وبعد أن تجاوزته وتأكدت أن الجاسوس لم يتبعنِ ، إنتبهت للرائحة البشعة وإلى كيس الطماطم الذي بيدي فرميت الطماطم وحمدت ربي أن الموضوع أنتهى وأني أصبحت في أمان ، وبعد فترة أخبرني أحدهم أنه قابل ذلك الشخص(الجاسوس) وقال له هذه أم المناضلين أعتذر أني أخفتها ما كان ينبغي لمثلها أن تسلك ذاك الطريق القذر.

استمرت بعض المهام الصغيرة ولكن الحدث الأكبر كان بحلول عام1970م  حيث تم فتح أول عيادة في منطقة (دبرسالا) بعد المؤتمر ، وبدأنا نستقبل الكثير من الجرحى ونجري بعض العمليات الصغيرة ، أما العمليات الكبيرة كنا نحولها إلى السودان ، و كنت لوحدي وسط الشباب (الممرضين) قبل أن تنضم إلي الممرضة فاطمة حسين، إلا أن فتح العيادة ساهم في وصول عدد كبير من الممرضين(شباب/ شابات ).

  • بعد عام 1970 والانقسامات التي حدثت كيف كان العمل في الميدان؟

بعد فترة من عملي في هذه العيادة ، تعرضت لوعكة صحية وعدت إلى السودان (وكان ذلك آخر عهدي بالميدان) ، ذهبت إلى الخرطوم للعلاج وبعد ذلك عملت في عيادة الجبهة في الخرطوم وكانت في (الديم) ، وأثناء عملي بعيادة الخرطوم حدث إنقلاب هاشم العطا وكانت أصابع الاتهام تشير الى ضلوع الجبهة في هذه العملية ، لهذا في اليوم الثاني (و أذكر أني كنت أحضر حقنة لمريض يعاني ألم شديد) ، وفجأة فتح الباب وإذ بمجموعة من رجال البوليس و الأمن يدخلون علينا ونادى أحدهم بصوت عالي ثابيييت الجميع أرضاً، فامتثلنا لأمره ، ونحن أرضا لاحظت مريضي وهو يتألم فزحفت نحوه ، فانتبه أحد العساكر لحركتي فأخذني من رأسي وغطس وجهي في ماء البالوعة القذر، وضربني بأخمس السلاح على خاصرتي، ثم أخذونا إلى السجن ، ولكن في اليوم الثاني تم الافراج عنا بعد صدور بيان يبريء الارتريين من المشاركة في الانقلاب.

  • اليوم وحال الارتريين بشكل عام و المرأة بشكل خاص يغني عن ألف سؤال ، لو ألقينا نظرة عامة هل يمكن أن نقارن بين اليوم والأمس؟

اليوم ومع تغيير الظروف ومعاناتي مع المرض لم أعد أتابع ما يجري بشكل دائم انما مقتطفات من هنا وهناك لا تكفي للحكم  وإبداء الرأي، أما الماضي فقد عملنا بكل حب وإخلاص وتفاني في العمل ، كانت الرؤية واضحة والأهداف محددة ، ولو عاد الزمان وأتيحت لى فرصة لاختار ،لاخترت بخيته عبدالله المناضلة والممرضة .