الرئيسية / كلمة المحرر / تحديات الوحدة الوطنية وغيابها المؤثر !

تحديات الوحدة الوطنية وغيابها المؤثر !

منذ ميلاد الوطن الارتري بذل شعبنا مجهودات جبارة من أجل رأب الصدع بين مكوناته ، إلا أن هذا المشروع ظل متعثرا في مراحل نضالنا منذ مرحلة النضال السلمي حيث تختزن ذاكرة شعبنا محاولات تقريب وجهات النظر منذ منتصف الأربعينات فترة الرابطة الإسلامية  و الكتلة الاستقلالية ، وقد دفع شعبنا ثمناً باهظاً من أرواح شهداء هذا التحدي الذي كان العدو يبذل مجهودات لوأد وحدة ارتريا أرضا وشعباً حتى يتسنى له الاستمرار في الجثوم على صدر شعبنا ، وبالمقابل بذل الشعب الارتري الغالي والنفيس لتفويت الفرص على العدو.

 هذه النضالات التي توجت بمرحلة الكفاح المسلح بقيادة جبهة التحرير الارترية بقيادة ابن ارتريا البار القائد الشهيد حامد إدريس عواتي هذه الثورة العملاقة التي وضعت حد للعبث بمقدرات الشعب الارتري هي الأخرى عانت قبل أن تبلغ عقدها الأول من عقبات المحافظة على وحدتها، إفرازات ذاك التعاطي والتفسير السالب لمرحلة المناطق التي أرادت منها الثورة التوسع الأفقي في كل أنحاء ومكونات الوطن ، إلا أن الاداء والتفسير وحداثة بنية الثورة أخذها لمناحي أخرى وأفرزت سلبيات لم تكن في الحسبان فانطلقت دعوات إنهاء تجربة المناطق وقامت حركة الجنود ثم حركة الإصلاح ثم الوحدة الثلاثية ، كما كانت خطة العدو إستخدام المشاعر دون الوطنية لتمزيق النسيج الاجتماعي الارتري حتى تمكن من تأسيس قوات الكمندوس والباندا التي اغترفت أبشع الجرائم فيما عرف بسياسة جفف البحر ليموت السمك من إحراق قرى وقتل جماعي بل حتى إبادة الثروة الحيوانية ، وتمكنت الثورة من تجاوز كل تلك المنعطفات واجتذبت كل مكونات شعبنا حتى حققت أهداف شعبنا في الاستقلال في 24 مايو 1991م، وعقد شعبنا وقواه على هذا الإنجاز التأريخي الامال العريضة ، وتقدمت قوى النضال خارج الجبهة الشعبية لترسيخ دعائم الانجاز بوصفه نتاج كفاح شعبنا بكافة تياراته طوال عقود الكفاح المسلح بخطوة بإتجاه الحكومة المؤقتة لضمان الاستقرار الوطني والانطلاق نحو بناء وطن لكل أبنائه وبكل أبنائه وعلى رأس هذه القوة كانت جبهة التحرير الارترية ، كما حاول بعض مناضلو الداخل من جسم السلطة الاجتهاد نحو بناء وطن تحكمه قوانين ومرجعية دستورية إلا أن تلك الآمال والأحلام أصطدمت بصخرة رأس النظام وبطانته التي نسجت شبكة علاقات إستقواء وإستعلاء لم تختلف في نهجها الدموي عن الاستعمار فأفشلت كل محاولات الإصلاح من الداخل وساقت المئات من مناضلي الجبهة الشعبية لغياهب السجون والمعتقلات ، وبهذا فشلت أقوى محاولات التصحيح من أبناء الجبهة الشعبية.

أما قوى المقاومة الوطنية الأخرى خارج منظومة الشعبية بذلت الجهود لرص الصفوف وتقريب وجهات النظر والسعي لتوحيد جهود فرقاء المقاومة فأنشأت التحالفات الوطنية و وسعت مواعين العمل الوطني ليستقطب قوى أكثر ، وقد تقدمت القوى المحبة للحرية والاستقرار وعلى رأسها جبهة التحرير الارترية بمبادرات ، وقد أثمرت تلك الجهود عن قيام المجلس الوطني الارتري للتغيير الديمقراطي الذي قام على أرضية حوارات وورش عمل حتى التأم انعقاده بحضور جماهيري كثيف و عدد كبير من التنظيمات سياسية ومنظمات مجتمع المدني وتمكن من اقرار ميثاق توافقي يصلح لتجاوز أزمات البلاد والذي تتمثل فيه الغالبية من قوى المقاومة الوطنية بشقيها السياسي والمدني ، و بالرغم الجهود المضنية في سبيل انجاز العمل الوحدوي ظلت المعارضة ضعيفة الأداء لأنها لم تصهر كل جهودها في بوتقة واحدة ، لأن تضافر الجهود هو المدخل الطبيعي للانتصار.

 لذلك جبهة التحرير الارترية قد قد آلت على نفسها على الأستمرار في جهودها لجعل الوحدة خيار جاذب مستفيدة من تجاربنا الثرة و آخذة في الاعتبار المعوقات السابقة ، واعية لأهيمتها في هذه المرحلة المفصلية لوطننا الذي يستهدف في سيادته الوطنية بل في وحدته الداخلية بضرب نسيجه الاجتماعي الذي لعب فيه النظام دورا كبيرا لاستمرار سلطته التي تعتمد على وأد وحدة شعبنا ، كل هذه المخاطر الكبيرة تتطلب بذل جهود مضنية حتي يمكن تفاديها ، وإذا نظرنا للأسباب السابقة والتي أخرت إنجاز المهام ، يمكن تلخيصها في الشوفينية التنظيمية والأحزاب الطفيلية وبلاء السلطة الزائف، لذلك علينا ان نقر أن هذه المرحلة تتطلب ابتداع أساليب ووسائل جادة ،تأتي أولوياتها في مجاهدة الذات والبحث عن المشتركات الأساسية من وحدة الأرض والشعب ،وإعتماد أسلوب الحوار في المختلف فيه وتقويد نقاط الاتفاق وجعلها تمشي على الأرض باعتبارها ممر اجباري لتحقيق الانتصار، وطالما أضحى موضوع السلطة أحد هواجس الفشل فليبقي كل على وضعه الذاتي من هياكل للتنافس في صندوق الانتخابات طالما أقر جلنا الديمقراطية كخيار وتداول السلطة سلميا ، وكل ذلك يتطلب تقوية إرادتنا والتحلي بروح المسؤولية .

 ومن هنا جعلت جبهة التحرير الارترية الاهتمام بهذا الملف أولى أولوياتها وتعاملت معه بمسئولية ، لهذا أولته الكثير من التنظيمات بدورها أهمية  كبرى ومدت هي الأخرى يدها ، وقد ساعدت كثير من تجمعات الشعب الارتري بتأثيرها غير المباشر على تجاوز هذه الأزمة حيث رفعت كثير من الشعارات الوحدوية ، بالاضافة للحوارات الجادة بين مكونات المعارضة ، آخرها  المحاولات الحثيثة التي تبذل هنا وهناك لتقوية الوحدة بين فصائل المعارضة وبعض التفاهمات التي تعضد من التقارب بين التنظيمات ،هذه المجهودات الجبارة التي ننظر لها بتفاؤل تعجل بتراص الصفوف الذي بدوره سيؤدي لانتصار شعبنا على الدكتاتور بل تعتبر ضمانة أساسية لتجنيب البلاد والعباد آفة فشل الدولة التي أصبحت تصاحب مرحلة خلاص الشعوب من الأنظمة القهرية.