الرئيسية / كلمة المحرر / زيارة طاغية أسمرا إلى السودان … مآلات العلاقة

زيارة طاغية أسمرا إلى السودان … مآلات العلاقة

اختتم يوم السبت الموافق 27 يونيو الجاري الطاغية أسياس أفورقي زيارته إلى الخرطوم التي استغرقت يومين والتي التقى خلالها بكل من رئيس مجلس السيادة السوداني ونائب رئيس مجلس السيادة واختتمها بلقاء رئيس مجلس الوزراء الانتقالي ، الزيارة في مظهرها العام تندرج في إطار التباحث والتعاون في المجال الاقتصادي وحركة المواطنين بين البلدين وفتح الحدود والتعاون والتباحث في قضايا منطقة القرن الأفريقي وتطوير العمل في كافة المجالات بما يخدم المنطقة هذا حسب ما تم الإعلان عنه أو بالأحرى الإفصاح عنه عبر التسريبات الإعلامية ، ولكن كما هو عادة الأنظمة الفردية فإن أسياس لربما أراد استكشاف الأوضاع في السودان عن قرب خاصة وأن هذا البلد الشقيق يمر بمرحلة مخاض للعبور بالفترة الانتقالية الى خواتيمها بانتخاب حكومة ديمقراطية يختارها الشعب السوداني عبر صناديق الاقتراع الحر، ونحن نقف هنا لنذكر الجميع بأن الطاغية أكثر ما يرعبه هو سماع الديمقراطية وإرادة الشعب في اختيار من يحكمه ولهذا يتخبط يمينا وشمالا وقد يحدوه الأمل أن لا تتفق أطراف الحكم الانتقالي .
بعض التسريبات تقول أن الطاغية أسياس خاطب طرفي الحكم كل بوجهة مختلفة وأنه طرح التوسط في مسألة الحدود بين إثيوبيا والسودان ملمحا قدرته على التحدث مع قادة إقليم الأمهرا وهو الإقليم المتاخم لولاية القضارف السودانية وذلك حتى يجد موطئ قدم فهو مهووس دائما بإيجاد كروت ضغط على الآخر الذي يتعامل معه ، أما التلميح بوساطته في موضوع سد النهضة هو الآخر الخوف من ما تصل إليه الأمور في حالة عدم الاتفاق بين الأطراف وتأثير ذلك على حكمه .
الوضع الاقتصادي المأساوي الذي تعيشه إرتريا هذه الأيام والمتمثل في انعدام السلع الضرورية في كل أنحاء البلاد إلى الحد الذي يمكننا القول معه بوجود مجاعة في البلاد ، أمر مقلق للجميع وإن الطاغية يسعى للوصول إلى تفاهمات لفتح الحدود مع السودان حتى يضمن انسياب السلع ويمارس سياساته المفضلة في التطفل على الاقتصاد السوداني عبر تجارة التهريب وابتزاز المواطنين في طرفي الحدود ، كما أن حالة الاحتقان مع إقليم التقراى الاثيوبي هي الأخرى عامل من عوامل تخبطه ورحلاته المكوكية في المنطقة وهو صراع تطاول أمده لأكثر من عشرين عاماً ، وعلى الرغم من توقيع ما أسماه الطاغية باتفاق سلام مع الجارة إثيوبيا بعد مجيء الدكتور أبي أحمد إلى السلطة في اثيوبيا إلا أنه مازال الاتفاق حبر على ورق وأن الحدود والأراضي التي حكمتها المحكمة الدولية لصالح ارتريا مازلت تحت سيطرة حكومة إقليم التقراي كما أن الحدود لم ترسم بعد حتى على الورق نهايك أن ترسم على أرض الواقع ، وأن الطرفين يحشدان ويتوعدان بعضهما بحرب ضروس لا تبقي ولا تزر ونقصد هنا طرف حكومة التقراى ونظام طاغية اسمرا.
أن الشعب السوداني الذي خرج بالملايين هادرا في كل الميادين والساحات من أجل التغيير وبناء وطن حر ديمقراطي ، من أجل حياة حرة كريمة تسودها العدالة والمساواة بين مكوناته ، لا يمكن أن يقبل لنفسه أن يتعامل مع طاغية استطاع خلال التسعة وعشرين سنة الماضية تأسيس نظام حكم يعد من أسوء نظم الحكم في كل العالم فالعدالة لا تتجزأ ، فلم تعرف إرتريا حاكما غيره طيلة هذه المدة ، و في ظل ظروف صعبة ذلك نتيجة الخراب الواسع الذي أحدثه و أذاق فيه شعبنا الأمرين وضيق عليه وبطش به بكل أنواع البطش فآلاف المواطنين يقبعون في السجون دون محاكمات لأكثر من عشرين عاماً ، وشباب يتدفق كالسيل يوميا عبر حدوده الغربية نحو الحدود الشرقية للسودان ومن حدوده الجنوبية نحو الحدود الشمالية لإثيوبيا هربا من جحيم نظام الطاغية وسياساته الاستعبادية لهذه الشريحة من الشعب ، ورغم أن إرتريا دولة صغيرة وعدد سكانها قليل نسبياً، و تملك الكثير من مقومات الاقتصاد الجيد جعلها هذا الطاغية تتطفل على أقتصاد السودان وتعيث فسادا وتخريبا فيه ، حيث تملك إرتريا كميات تجارية كبيرة من الذهب والفضة والنحاس الذي يتم إستخراجه من الحقول الكبيرة المنتشرة في إرتريا مثل بيشا و زرا ، وكميات المعادن الثمينة التي تستخرج معلنة من قبل الشركات الأجنبية العاملة في إرتريا ، و كذلك تملك كميات تجارية كبيرة من البوتاسيوم الذي يتم استخراجه من إقليم دنكاليا بالإضافة للفوسفات ، وكذلك الزنك الذي يتم استخراجه من مختلف مواقع التعدين، كما أن منصرفاتها كدولة تكاد لا تذكر ومع هذا تحولت في ظل حكم الطاغية لجحيم لا يطاق وفقدت كدولة كل مقومات الحياة .
وختاماُ نحن نؤكد بأن العلاقة بين الشعبين الارتري والسوداني علاقة أزلية ضاربة في أعماق التاريخ باقية ما بقيت الدنيا وأن الأنظمة التي تحكم هنا وهناك إلى زوال مهما تطاول ليل ظلمها ، ذهب الجنرال عبود الذي وقف ضد الشعب الارتري وثورته وسلم ثلة من الثوار إلى نظام الامبراطور المقبور فهتف الشارع السوداني بحرية إرتريا وشعبها إبان ثورة أكتوبر فكان الشعب السوداني هو الحامي والمدافع عن عدالة القضية الارترية قبل الحكومة ، وسقط نظام مايو كذلك وبقت علاقة الشعبين هي الأقوى وأخيراً سقط البشير ونظامه الذي انحاز إلى طاغية اسمرا وضيق على طالبي العدالة في إرتريا وبقت وستبقى العلاقة المتميزة والمتجذرة بين شعبي إرتريا والسودان، فكم من حاكم قهر الشعوب وذهب لمزبلة التاريخ غير مأسوف عليه.