الرئيسية / مقالات / التداخل الإجتماعي وأثره في استقرار منطقة القرن الأفريقي

التداخل الإجتماعي وأثره في استقرار منطقة القرن الأفريقي

بقلم/ الاستاذ محمود عمر

عند قيام النهضة الأوربية برز مشكل توفير المواد الخام .مما دفع الدول الأوروبية للبحث عن مناطق مواد ترفد الدولاب الصناعي ، فكانت افريقيا الوجهة الأولى، كونها غنية و تزخر بموارد متنوعة ، حيث احتلت الدول الأوروبية جل أراضي القارة الافريقية، و قامت حدود المستعمرات وفق نفوذ الدول المتنافسة ، وقد بدأ الاستعمار ناعم نسبة لظروف البدائية التي كانت تعيشها القارة السمراء، وبتطور الصناعات في أوروبا أصبح التنافس يزداد حدة حتى حددت الدول الغربية حدود مستعمراتها ، وكانت منطقة القرن الافريقي أكثر أهمية بإطلالتها على البحر الأحمر، وسهولة الوصول إليها ، لذلك سيطرت فرنسا على جيبوتي وبريطانيا على كثير من دول المنطقة ومن ضمنها السودان وقد الحت بريطانيا على إيطاليا بدخول ارتريا حتى أعلنت ايطاليا عن مستعمرتها ارتريا عام 1889م بحدودها السياسية الحالية ، ولكن ظلت المكونات المجتمعية في تواصل مع امتداداتها الطبيعية في دول الجوار، حيث هنالك تداخل سكاني للعفر مع جيبوتي وكذلك وجودهم في إثيوبيا، كما ان هنالك أمتداد متشابه مع الأقاليم المتاخمة لكل من السودان ، وإثيوبيا ، و أن هذه الخصوصية لم تتميز بها ارتريا فحسب بل أنها تعد أحد الملفات الشائكة التي ورثتها دولنا من المستعمر كما أنها ليس أزمة في حد ذاتها ولكن المعضلة تكمن في ادارة التنوع والمصالح ، وبكل أسف ما تعيشه منطقتنا من اضطرابات ناتج من فشل نخب السلطة ، التي ورثت الأرض والإنسان من المستعمر و أدارت الدولة بالإنكفاء على الذات مما تسبب في انهيار دول أكثر قدما مثل العراق والصومال، وقد اقتربت الأزمة أكثر حيث لم تسلم حتى دولة جنوب السودان كأحدث دولة في منطقتنا والتي شهدت أحداث مؤسفة بين شركاء الأمس ،وقد تسببت في فقد الأرواح وفي لجوء أعداد كبيرة كانت يفترض أن تكون رصيد لبناء الدولة الوليدة لو تمت إدارة الخلاف بحنكة ، كما أن الغليان الذي تشهده إثيوبيا منذ فترة وخاصة بعد مجيء أبي أحمد إلى السلطة والذي ازداد ضراوة بمقتل أيقونة الثورة الفنان (هاشالو) . إذ كل متابع حريص على سلام المنطقة علق على هذه التطورات داخل إثيوبيا. و خاصةً التوتر بين الحكومة المركزية واقليم التجراي الذي كان له باع طويل في تخليص إثيوبيا من حقب التسلط والقهر ، ومن جانب آخر الانفلاتات الأمنية التي يعيشها السودان بعد ثورة الشباب السلمية التي اذهلت كثير من المراقبين بل أصبحت محفزا لشعوب المنطقة في التخلص من الأنظمة القهرية .
أن المخاض الذي تشهده دول الجوار وخاصة أثيوبيا والسودان ،سوف يكون له مآلاته في تطلعات شعوب المنطقة ، في الاستقرار والسلم المجتمعي ،وإذا أردنا أن نكون دقيقين أكثر لتلمس مواطيء الداء يمكن أن نتناول الأحداث بخصوصية تنذر بمستقبل أكثر قتامة ، فتصاعد التطورات في التقراي والذي ترتبط مصالحه بارتريا نسبة للتداخل السكاني ، والارتباط في مرحلة الثورة التي أدت لسقوط نظام منقستو و تحقيق تطلع الشعب الاثيوبي نحو الأفضل، واستقلال ارتريا من الاستعمار الاثيوبي هذه المكاسب كان من المفترض تليها نظرة ثاقبة لتبادل المنافع بين الدولة الوليدة ارتريا والحكومة الاثيوبية التي تحولت من ثورة الى دولة تحمل أعباء كبيرة لانتشال الشعوب الاثيوبية من غياهب ظلمات العصور الوسطى الى دولة حديثة ، تتجه نحو بناء مؤسسات دولة تلعب دور أساسي في النهوض بالشعوب الاثيوبية، ولكن للأسف كانت الحصيلة الاقتتال بين حلفاء الأمس ،النظام الحاكم في ارتريا والدولة الإثيوبية، وقد خلفت الحروب الكثير من المأسي وعدم الاستقرار وتعطيل التنمية خاصة في ارتريا التي انتهج نظامها ادارة ملف السلطة منذ بواكير الاستقلال ، بتعكير العلاقة مع كل دول الجوار ومازال يمارس نهجه ، و لا يخفى ذلك عن كثير من المراقبين ، حيث تعتبر منهجية الحرب عامل أساسي لاستمراره في السلطة لذلك مهمته تبريد هذه الجبهة والاحتفاظ بخميرة عكننة ، حتى يتفرغ للجبهة الاخرى ، وكلنا شهود على ما قام به النظام من حروب مع جيبوتي ، وأخرى مع السودان ،وتارة اخرى مع اليمن، و تركيزا على إثيوبيا ،مستفيد من الوجدان الارتري في مرحلة التحرير ،ملوحا بأن الاطماع الاثيوبية في ارتريا مازالت قائمة ، وتارة اخرى بطرح استراتيجية الارتباط الابدي ، بين مصالح الشعبين الإثيوبي والارتري وخاصة بعد المصالحة الاخيرة بين اثيوبيا وارتريا والتي قال عنها لم نخسر شيء بل قام بتسريع التطبيع مع اثيوبيا بخطواته المحسوبة لتوسيع هوة الخلاف بين الفرقاء الاثيوبيين والتي عبر عنها كثير من النشطاء الاثيوبيين بتوصيف افورقي بفلادمير بوتن أو الرئيس الفعلي لاثيوبيا فضلا عن التصعيد الاعلامي بين التجراي وارتريا.
إن الحديث عن الأزمات التي تشهدها المنطقة و تسليط الأضواء عليها ياتي حرصاً على سلام المنطقة بل خوفاً على شعبنا الذي يعاني الأمرين في معسكرات اللجوء في كل دول الجوار ، وتأثير أوضاع الدولة المضيفة على شعبنا الذي تتعامل دولته دون مسؤولية بقضاياه حيث ندرك تعامل النظام في ارتريا مع قضايا شعبنا دون أدنى مسؤولية أو موقف يذكر للنظام وخاصة في ملفاته الانسانية إذ ما زالت جراحات شعبنا غائرة من تعامل النظام سواء كان في الداخل أو الخارج ففي داخل البلاد جعل الوطن سجنا كبيرا مستغلا كل شئ من اجل اطالة امد سلطته و لم يسلم من جبروته حتى جرحى معركة الشرف إذ قام بمجزرة (ماي حبار) في العزل من جرحى حرب التحرير، فقط كونهم طالبوا بتحسين اوضاعهم الاقتصادية ، وكذلك احداث الغرق والموت عطشا الذي يتعرض لها الشباب وكذلك ملفات تجارة البشر التي زادت رواجا في منطقتنا وشعبنا دون أدنى حلول او اكتراث من النظام .مما يعني ان شعبنا ظهره مكشوف ولا توجد دولة لها بصيص من الرحمة والمسؤولية لإيجاد حلول لمشاكله الشائكة. . ثم تأتي خطورة الازمة في منطقتنا والاهتمام بها حيث أصبح الصراع لا يخلو من الاستدعاء عبر الهوية الأثنية.الذي ندرك اثاره المدمرة ،وخاصة في وضع شعوبنا التي لم تتجاوز الأطر التقليدية، والتي ساهمت بعض نخب السلطة في تعميقها لفشلها في التحول الى دولة المواطنة ، فمثلا برزت في الآونة الأخيرة أصوات تنادي بدولة تجراي تجرنية ،وقد أصبحت تشكل حضور على الأقل في الوسائط على لسان ما سمي بالاجاعزيان وما يدور في فلكهم . وما تركته من ازعاج وردة فعل تنذر بتعميق عدم الثقة بين مكونات الدولة والتي تؤسس لعدم التعايش او الاقتتال في الهوية .بالمقابل ما يعيشه الاقليم الشرقي في السودان ،من صراعات وتبادل اتهامات وانفجار اقتتال على أساس الهوية مع التأكيد على التداخل السكاني بين مكونات الشرق و المنخفضات الارترية فضلا أن السودان عامة والشرق خاصة استضاف ويستضيف أعداد مقدرة من اللاجئين الارتريين .
أن هذه الملفات المتداخلة ومخاطر الحروب على الهوية أو اللون ، تحتم علينا حكومات وشعوب ان نبطل مفعول هذه القنبلة الموقوتة والتي اثارها تتجاوز الحدود السياسية وتزيد الأزمة استفحالا ، ويحضرني الجهد التشادي الشعبي والحكومي ومساعيه في حل الصراع في أفريقيا الوسطى إبان الاقتتال الداخلي بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك جهد حكومة جنوب السودان في ما يبذل من جهد لتقريب وجهات نظر المعارضات المسلحة والحكومة السودانية ، و من جانب آخر مجهود حكومة السودان لتقريب وجهة نظر الفرقاء في جنوب السودان ،هذه المبادرات الوثابة بحاجة لتعميم وتطوير وإشادة لما تمثله من توجه لنزع فتيل الازمة حتى تنعم مجتمعاتنا في سلام وإستقرار، كما يجب علينا في المرحلة الدقيقة في منطقتنا إثراء روح الحوار والتعاون بين كل المكونات من منظمات مجتمع مدني وأهلي وجهد حكومات تنمي مؤسسات تعمل في رتق النسيج الاجتماعي والاستعانة بمؤسسات أممية تعمل في إدارة التباين بعمل ورش حوارية تدعو لتعاون المجتمعات وكيفية إدارة مصالحها الابدية للتعايش السلمي في أرض عاشت فيها منذ القدم.