الرئيسية / كلمة المحرر / شبح المجاعة الذي يخيم على إرتريا   “دنكاليا نموذجاً”

شبح المجاعة الذي يخيم على إرتريا   “دنكاليا نموذجاً”

الذي يحدث في ارتريا أمر مؤلم جدا و يجعلنا نتساءل من هؤلاء الذين حكمونا تسعة وعشرين عاماً ؟ فالأمر تجاوز حدود المنطق وأصبح لغز محير !

فما الذي يحدث في ارتريا؟ ولماذا يحدث؟

إرتريا دولة صغيرة وعدد سكانها قليل نسبياً، و تملك الكثير من مقومات الاقتصاد الجيد ، كما أن منصرفاتها كدولة تكاد لا تذكر، وهنا لابأس من تلسيط القليل من الضوء على إمكانيات الأقتصاد الارتري ومنصرفات النظام.

إرتريا تملك كميات تجارية كبيرة من الذهب والفضة والنحاس الذي يتم إستخراجه من الحقول الكبيرة المنتشرة في إرتريا مثل بيشا و زرا بالإضافة للذهب الذي تصادره من السكان في حقول التعدين الأهلية المنتشرة في كافة ربوع ارتريا ، وكميات المعادن الثمينة التي تستخرج معلنة من قبل الشركات الأجنبية العاملة في إرتريا، و كذلك تملك كميات تجارية كبيرة من البوتاسيوم الذي يتم استخراجه من إقليم دنكاليا بالاضافة للفوسفات ، وكذلك الزنك الذي يتم استخراجه من مختلف مواقع التعدين.

بالاضافة لكل ذلك العائد التجاري الضخم الذي يأتيها من تجارتها الداخلية ، حيث أن شركاتها تحتكر السوق الداخلي وتنشط في السودان، كما أنها تزرع مساحات شاسعة تقدر بمئات آلاف الهكتارات بلا أي تكلفة تذكر حيث يتم انجاز العمل فيها من قبل الشعب والجيش بنظام السخرة ، فضلا عن الضرائب الضخمة التي تجمعها من المواطنين في الداخل والخارج وعلى وجه الخصوص من المغتربين  ، وكذلك العائد الثابت الذي يصلها من بعض الدول نتيجة استئجار الموانئ والقواعد العسكرية ، و الأموال التي تقبضها بشكل مستمر نتيجة تحالفاتها الإقليمية، حيث يمارس النظام الابتزاز بمواقفه مع هذا الجانب أو ذاك وقبض ثمن ذلك.

أما منصرفات الدولة الارترية تكاد لا تذكر مقارنة بإيراداتها الضخمة فهي بالكاد تصرف مرتبات لعدد قليل من الموظفين وجزء بسيط من الجيش الذي يغلب عليه مجندي الخدمة الذين لا يتقاضون أجورا ، بينما تستخدم كل الشعب بنظام السخرة بلا أي مقابل في إنجاز كل المهام المناطة للدولة، لهذا هي دولة بلا نفقات حقيقية .

وبالعودة لسؤاليّ البداية، ماذا يحدث في ارتريا؟ ولماذا يحدث؟

ما يحدث في إرتريا هو تجويع ممنهج يمارسه النظام عبر استغلال الوضع الذي أوجدته جائحة كورونا وما تتطلبه من احترازات ، فالنظام ظاهريا طبقا لاحترازات كورونا أقفل الحدود تماما وبالغ في فعل ذلك لدرجة أن أجهزته الأمنية تقتل بدم بارد كل من يتحرك بالقرب من الحدود ، ليرسم القتل بدم بارد الكثير من علامات الاستفهام التي لا نجد لها جواباً ، وقد نتج عن قفل الحدود مع كل دول الجوار توقف المواد التموينية التي كانت تصل من تلك الدول ، فإرتريا منذ عشر سنوات على الأقل لم يدخل عبر موانئها أي مواد تموينية ، والنظام طيلة عمره المديد لم يفكر في جلب احتياجات شعبه عبر الاستيراد ، فالأمر يتطلب دفع بالعملة الصعبة ، و واضح أنه لا يدفعها لشعب لا يحس بالانتماء إليه و لا يحس بآلامه ، ومعاناته لا تعني له شيئاً البتة ، وفيما سبق من كان يقوم بالاستيراد وجلب المواد التموينية لإرتريا كان التجار الارتريين ، وهؤلاء قد أخرجهم النظام من الخدمة منذ مدة عبر المضاربة معهم عبر شركاته الطفيلية التي أستحوذت على كل ما في البلد ، فقد كان همها الأساسي كيف تستولي على مدخرات التجار ، وقد نجحت في فعل ذلك مع الكثير منهم ، ومن أفلت من الخسائر حجمته الدولة عبر قوانينها الجائرة ، ثم قضت تماما على من تبقى منهم عبر تغيير العملة، فأصبحت أموالهم عملياً في يد الدولة لا يستطيعون التصرف فيها حتى لتدبير شؤون حياتهم ، هذا ما يحدث في إرتريا بصفة عامة ، أما ما يحدث في دنكاليا أكثر إيلاماً ، إلا أنه لا يختلف عن ما يحدث في بقية أجزاء الوطن فتعامل النظام يكاد يكون متشابه في كل أرجاء الوطن ، لكن الذي يختلف هو طبيعة كل منطقة والبدائل التي يمكن أن يبتكرها أهل كل منطقة ليبقوا على قيد الحياة ، وفي هذه دنكاليا أقل حظاً من بقية الأقاليم فطبيعة المنطقة قاسية مناخيا فالأمطار فيها نادرة وبالتالي تكاد تنعدم الزراعة والنباتات بصفة عامة ، و أهلنا في دنكاليا مشهورون بريادتهم للبحر و قد منعوا من البحر منذ مدة ، و أي قارب يتحرك في البحر يقبض عليه أو يقصف بالطائرات ، ونتيجة لذلك ذهبت مجموعات متتالية من أهلنا في دنكاليا ضحايا قصف قواربهم ، أما الحدود البرية بعضها صعب الوصول إليه والسهل قد أغلقه النظام بحجة مكافحة الكورونا ، لهذا الوضع سيء وخطير جدا ويحتاج لتضافر كل أصحاب الضمائر الحية.

أما إذا حاولنا الإجابة على سؤال : لماذا يفعل النظام ذلك؟ سوف لن نجد إجابة منطقية يمكن أن نقنع بها أنفسنا ونقنع بها القاريء ، لهذا المطلوب أن يجتهد الجميع في الإجابة ، أما نحن هنا سنكتفي بوصف هؤلاء الذين يتحكمون في رقاب أهلنا ، فهم عصابة لا تمت لهذا الشعب بصلة وينتسبون له زورا وبهتانا ، وكان علينا إدراك ذلك مبكرا لأنهم في يوم من الأيام لم يتألموا لألم هذا الشعب ، فمن كان يسجن الأم والأب لأن إبنهم هرب من الخدمة ذاك مستعمر وليس إبن للشعب ، ومن كان يجبر أهلنا للعمل بنظام السخرة في الأعمال الشاقة لا يمكن أن يتفقدهم إن كانوا سيجدون ما يأكلون أم لا ! ، ومن غيب خيرة أبناء هذا الشعب تحت الأرض لا يمكن أن يكون إبناً له.