الرئيسية / كلمة المحرر / في ذكرى استقلال ارتريا لم يكن أمام الطاغية من خيار آخر سوى التحدث عن الكورونا !!!

في ذكرى استقلال ارتريا لم يكن أمام الطاغية من خيار آخر سوى التحدث عن الكورونا !!!

طالعنا دكتاتور إرتريا أسياس أفورقي يوم أمس الأحد الموافق 24 مايو بمناسة الذكرى التاسعة والعشرين لتحرير إرتريا ، بكلمة يصح أن يطلاق عليها “كلمة بمناسبة الكورونا” وليس الاستقلال حيث استغرقت جائحة الكورونا جل الكلمة إن لم تكن كلها ، وحتى يسهل علينا فهم ما قاله ولماذا لجأ للكورونا وأحتمى بها دون غيرها من الموضوعات؟ ولماذا تجنب الخوض في موضوعات الساعة التي كان من المنتظر أن يتناولها كحالة الشد والجذب بينه وبين وياني تقراي ؟

للاجابة على الأسئلة ولقراءة كل مضامين كلمته ضمن سياقها الطبيعي والظروف الموضوعية المحيطة به ، سنعود قليلا إلى الوراء للقائه التلفزيوني الذي أجراه قبل ثلاثة أشهر في فبراير الماضي على مرحلتين لقاء “تحسين الصورة الذهنية”  وذلك لتوضيح فرق الهامش الذي كان متوفرا له سابقا ، ففي ذلك اللقاء تحدث عن الحريات في إثيوبيا وأتهم الجبهة الثورية الاثيوبية الحاكمة في فترة حكم التقراي بأنها ضيقت على الاثيوبيين و أن نظامهم كان نظام أقلية وتهجم على نظام الحكم الفيدرالي الأثني وأرجع ما تعانيه أثيوبيا اليوم من مشاكل إليه، وتحدث عن السلام بين البلدين الذي مازال يراوح مكانه وعزى الأمر إلى الجبهة الشعبية لتحرير تقراي (الوياني) في عدم تنفيذ الأتفاق وقال أنه سوف لن يقف مكتوف الأيدي في حالة اندلاع صراع في أثيوبيا  وأثنى على أبي أحمد ، و وصف مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن بأنه ملتقى للعلاقات العامة والمجاملات ، أما عن السودان وحكومته السابقة قال أن نظامه كان أول المتضررين منه.

وبتدقيق بسيط في ما قاله في فبراير سنلاحظ أن جله كان عن أثيوبيا هجوما على الوياني وعلى تجربتهم في الحكم وتعطيلهم للسلام ، ومدحا لرئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد ، أما الموضوعين الآخرين فقد كانا عن التقليل من أهمية مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وإدعاء تضرره من نظام الانقاذ ، و واضح أن موضوع مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن كان لإبتزاز السعودية وقد تم استدعاءه واسكاته ترهيبا أم ترغيبا لا ندري! ، وأما موضوع تضرره من الانقاذ السير فيه وتكراره سيجبر الآخرين على إجراء جرد لعلاقته مع الانقاذ وهذا بالتأكيد سيضر به ، لهذا من العقل ألا يكرره وقد فعل ، وبالتالي لم يكن هناك أصلا هامشا يناور فيه سوى التصعيد مع الوياني كما فعل في فبراير إلا أن هذا الهامش هذه المرة قد أصبح خطر جداً بعد أن بدأوا الوياني بالتحرك على الأرض عبر حشد جيشهم على الحدود واستفزازهم لاسياس ببعض الخروقات عبر تجاوزهم الحدود للداخل الارتري ، وربما زيادة التفصيل في ذلك أصبح أمر ضروري لمعرفة لماذا أصبح هذا الهامش غير متاح؟ فهذا قد حدث لثلاثة أسباب ، أولها رغم أن لعبة أفتعال المشاكل هي لعبة يتقنها أسياس وأستخدمها كثيرا في التصعيد مع كل دول الجوار وعبرها صدر كل مشكلاته الداخلية لخارج إرتريا إلا أن هذه المرة التصعيد ليس في صالحه لأنه سيخدم خصومه الوياني أكثر من ما سيخدمه حيث سيوفر لهم وحدة داخلية هم بحاجة شديدة لها ، بينما هذا غير متاح لنظامه لأنه قد أستهلك سياسته تلك بالاستخدام المتكرر لها وأصبحت مكشوفة أمام الشعب الارتري ، أما ثاني الأسباب أنه لا يملك القوة الكافية لمجابهة الوياني بدلالة أنه قام بحملة تجنيد كبيرة سوف لن تثمر إلا بعد عدة أشهر لأن من تم تجنيدهم يحتاجون لتدريب ، وكذلك ضم للجيش كبار السن من قوة الاحتياط (عقور سراويت) المكونة من مقاتلي مرحلة حرب التحرير لمعرفته بضعف جيشه لهذا سوف لن يغامر بمعركة مع الوياني الأكثر جاهزية منه ، أما ثالث الأسباب أن اشتباكاته مع الوياني أصبحت توفر أرضية صالحة لتحرك الوياني وجزء من الأروما ضد رئيس الوزراء أبي أحمد وهذا ما تم حسمه أثناء زيارة أسياس الأخيرة لأديس أبابا في بداية مايو الجاري بأن يتوقف أسياس عن التصعيد مع الوياني ويتولى أمر ذلك أبي أحمد .

بعد هذا السرد عن إنسداد الأفق أمام أسياس و عدم توفر أي هامش آخر يناور فيه ، نعود لسؤال البداية ، لماذا أختار أسياس موضوع الكورونا؟ في الحقيقة أختار أسياس الحديث عن الكورونا والتركيز عليها لتحقيق ثلاثة غايات مهمة جدا بالنسبة له ولنظامه ، الأولى أن تناوله للكورونا يوفر له تسليط مزيد من الضوء على انتصاره الوهمي بمكافحتها والإحتفال بإعلان أرتريا دولة خالية منها وهو بحاجة لأي أنتصار ، وقد ذكرنا أنه أنتصار وهمي لأنه غير مستند على فحوصات وإحصاءات حقيقية ففي أرتريا يموت الانسان ولم يكن قد قابل طيلة حياته طبيب عام ، والغاية الثانية تبرير تحويل إرتريا لسجن كبير يعيش سكانه في حالة أقرب لحالة المجاعة نتيجة انعدام المواد الأساسية وليس هناك أمل في حل هذه المشكلة فالحدود أصلا مقفلة من الجانب السوداني والدولة الارترية ليس وارداً لديها أن تستخدم مدخراتها من الدولارات في الاستيراد ، والغاية الثالثة والأهم أن تستمر حملة التبرعات التي وصلت الأموال التي تجمع عبرها لأرقام خرافية ومن يتابع إعلام النظام يدرك حجم الحملة ومدى ضخامتها والأموال التي تجمع عبرها ، وهذه بقرة حلوب لا يمكن أن يتركها أسياس إلى أن يجف ضرعها .