هلا تداركنا الكارثة !

تعيش بلادنا منذ نيل استقلاها واقعا وطنيا اتسم بالتمزق اسه استعلاء الذي صاغ خطاه العملية رأس النظام وبطانته وأدواته للسيطرة على التنظيم ومن ثم البلاد وبدأه بالطلاق والتناقض مع البرنامج السياسي النظري الذي نادى به قبيل التحرير والذي دعا للتعددية السياسية ، ورغم ان الفرصة قد واتته لنهج خط جديد بوجهة دولة الحريات بعد التحرير الكامل للتراب الوطني الارتري في مايو ١٩٩١م وبعد الاستفتاء ١٩٩٣م والذي أكد خيار شعبنا في الدولة الحرة المستقلة ، إلا أنه وبدلا من طي صفحة تناقضات الثورة وفتح سفر الوطن ، كرس سلطة شمولية مستبدة طالت حتى المواطنين العاديين ساعدها في ذلك نشوة الانتصار التي غطت على الممارسات الإقصائية وتعبئة عضويته وخاصته بأطروحة حماية المكاسب التنظيمية وضرورة الحفاظ عليها وتعامل معها وكأنها مكسب تنظيمي ضيق وليس كسب وطن وشعب دفع ضريبته ألوف الشهداء طوال عقود الكفاح المسلح منذ فجر الفاتح من سبتمبر ١٩٦١م بقيادة الشهيد البطل حامد إدريس عواتي دفع شعبنا كل شعبنا ضريبته من فلذات أكباده و تخللتها مذابح تقشعر لمجرد ذكرها الأبدان أتت على عشرات القرى أشهرها مذابح عد إبرهيم ، عد فكي ، عيت ، قمهوت ، امبيرمي ، عونا ، بسديرا ومع كل تلك التضحيات تمخض واقعنا أسوأ سلطة استبدادية.
وفي الجانب الآخر في الدولة الإثيوبية تصاعد الكفاح الثوري ضد نظام الدرق الديكتاتوري وصعدت بنتيجته جبهة التحالف الثوري العريض الذي كانت عموده الفقري جبهة شعب تقراي والتي ضمت للكفاح اغلب القوميات الإثيوبية وبشرت بالدولة الاتحادية الفيدرالية على أسس قومية بهدف الخروج من مأزق الاستعلاء القومي وخطت الحدود بين القوميات على أساس اللسان ، ورغم ان القوميات أمر راسخ لها مساحات سكنها المتفردة إلا ان التداخل القومي في بعض المناطق أمر ملحوظ وحاولت الجبهة الثورية علاج الأمر بأطروحة القوميات والأقليات القومية ( بهير بهير سبوت) وللأسف لم ينته الاستعلاء القومي الذي ادخل إثيوبيا في عنف على أسس عرقية كادت أن تأتي على الدولة نفسها ، رغم اجتهاد النظام في معالجة الأمر و إقرار مبدأ زيادة ميزانيات التنمية للأقاليم الأكثر تضررا من الحرب وعلى رأسها إقليم تقراي وإشراك المكونات في إدارة نفسها والمشاركة معا في إدارة الدولة والسلطات الإقليمية وأحدثوا تغييرا واسعا في البنية التحتية من طرق وجسور ووسائط نقل وسكن ومرافق نقلت إثيوبيا درجات كبيرة في سلم النمو ومر على قيادة إثيوبيا ثلاث رؤساء وزراء آخرهم أبي احمد الذي تقدم بأطروحات جديدة وعلى رأسها السلام مع ارتريا ورغم كل ما بذل ، إلا ان حساب الربح لم يكن كحساب البيدر وانفرط الأمر في تفجرات دورية على أسس عرقية وحاول البعض تصدير عداءات عرقية تفجر في شكل تقاتل جماعي على أسس عرقية ، وفي الجانب الآخر في بلادنا ورغم إقرار الجبهة الشعبية في برنامجها السياسي التاريخي ان الشعب الارتري يتشكل من تسع قوميات إلا أنها حصرت التطبيق في مجال عكس الفلكلور الشعبي ولم تجعل من سلطتها مرآة عاكسه لهذا التنوع ، وفي مجال الحقوق الفردية والجماعية قدمت أسوأ نموذج ، وعلى العكس من ذاك وطنت ممارسات عملية مشوهة وخاصة في قضايا الأرض وعودة اللاجئين وتنكرت لكل مأمول من أية ثورة وطنية ظافرة والاتجاه بكل طاقات الشعب نحو مشروع وطني للبناء والتعمير يقره ويشارك فيه الجميع ، وللأسف سار النظام في خط السياسات الاستبدادية ودخلت في حروب عبثية أتت على أرواح الألوف من أبناء شعبنا وألوف أخرى من الجرحى والمعاقين وتمددت الخدمة العسكرية لتطال جموع واسعة بلا سقف لنهاية مأمولة وتحول الأمر وكأنها عبودية بل هي كذلك بالفعل مما دفعت جموع هائلة من الشباب للفرار من ارتريا لكل من السودان وإثيوبيا لأنهم فقدوا الأمل في بناء حياة كريمة في بلادهم ، وإذا كان هذا واقع الحياة في كل من ارتريا وإثيوبيا اللتين دخلتا في مارثون السلام الذي لم يتجاوز سقف الأماني والزيارات بين حكومتي البلدين وفتح الحدود بين الشعبين لبضعة شهور تنفس خلالها شعبنا الصعداء لأول مرة إلا أن الفرحة لم تستمر طويلا إذ أغلق النظام الحدود و أوقف الحركة من وإلى إرتريا من جانب واحد ولم تتجاوز دعوة السلام شفاه القادة ولم تعالج أس الأشكال البيني وعلى رأسها اتفاق الجزائر وقرار محكمة لاهاي والانسحاب خلف العلامات الحدودية التي أقرتها لطي صفحة الاختلاف لتنطلق العلاقات بكل أبعادها ، إلا ان النظام ولتنفيس الاحتقان الداخلي وحاجته لأي شيء يصرف به أنظار الشعب الارتري عن مأساته تلقف المبادرة الإثيوبية التي لم تقدم له شيء وسار بعيدا حتى وكل أبي احمد بالحديث عن إثيوبيا وارتريا وبقية السراب معروف.
أما في السودان فقد اندلعت ثورة شعبية عارمة وهي ليست غريبة على الشعب السوداني الذي فعلها في أكتوبر 1964م وفي مارس أبريل 1985م وفعلها في ديسمبر 2018م ، والثورة الراهنة أسقطت نظام الإنقاذ ووضعت السودان وشعبه العزيز أمام استحقاق ديمقراطي تاريخي قد ينتج دولة ديمقراطية راشدة أو يرتد إلى ذات الدورة الجهنمية ديمقراطية وانقلاب إذا لم تدار الثورة بعقلية حكيمة تنظر للمستقبل أكثر من الحاضر والماضي ، ومن المحزن ان السودان يعاني اليوم من سيولة أمنية بسبب التشاكس الحاصل وبسبب تقاطع المصالح الإقليمية والدولية وما ادعاء نظام اسمرا ان هناك تدريب مدعوم من دول إقليمية على الأراضي السودانية دون أدلة إلا حديث له ما بعده و إذا ما ربطت بما يؤجج من فتن بين المكونات الاجتماعية ، يمكننا أن نقول ان المنطقة مقبلة على دورة جهنمية وربما سيكون الوضع كارثياً ستدفع ثمنه الجموع العريضة في مواجهات عبثية ، إذا أن منطقتنا عموما والدول المذكورة أعلاه خصوصا على أعتاب مرحلة حاسمة من تاريخها واستقرار شعوبها ، وكل أملنا ان يسهم الحكماء في هذه الدول ومن بينها بلادنا في إطفاء ما يعد من حرائق قبل أن تأتي علي الجميع .

شاركها

Share on facebook
Share on twitter
Share on pinterest
التصنيفات
منشورات ذات صلة