رحل صاحب العزيمة التي لا تخور

بقلم الدكتور/ طاهر راكي ..//…

فاجأني صباح الأمس صديقي الأستاذ محمد ود الخليفة بنبأ رحيل أخونا المناضل محمود محمد عثمان إثر علة لم تمهله طويلا ،

وعنصر المفاجأة يكمن في أن التواصل لم ينقطع إلا قليلا – مع التسليم بقضاء الله وقدره تسليما لا يرقى إليه الشك، وإن أجل الله إذا جاء لا يؤخَّرُ.
عرفت صديقي محمود منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي في الخرطوم عندما كان عضوا في الاتحاد العام لطلبة إرتريا ، وكنتُ أنا حينها أتأهب للسفر لإكمال دراستي ، وعملنا سويا في العمل العام لفترة قصيرة زمنيا ولكنها ظلت و ستظل عالقة في الذهن، حيث كانت فترة العطاء الشبابي والأحلام الكبيرة بوطن نحرره بدمائنا ونعيش فيه تحت رايات العدل وظلال الرفاه وسلطة القانون الذي يحمي الجميع ويردع كل متغوّل على حقوق الآخرين.
محمود الشاب الأنيق المثابر المُجِد كان لا يكل ولا يمل العمل ، بل ينخرط فيه بكل سرور، كان يتمتع بروح عالية، وكان هادئا قليل الكلام، يسمعك حتى النهاية ليقول رأيه بلا تشنج ولا ردود أفعال، كان حلمه العودة ألى إرتريا ، لم يكن يفكر في الاغتراب.
فرقتنا صروف الحياة شرقا وغربا وجرت مياه كثيرة في نهر الحياة قبل أن نلتقي العام الماضي في الخرطوم في مناسبة اجتماعية وتعانقنا عناقا طويلا رددنا فيه العبارات الحماسية التي كنا نرددها قبل عقود، وجدته كما عرفته بنفس عزيمته التي لا تخور، ولكن بأفكار جديدة ومتابعة لصيقة للشأن الإرتري .
تجربة محمود ليست تجربة فرد، بل تجربة جيل أُخرِج من وطنه قسرا وحُرِم من العودة إليه غدْرا وظلما أشد مضاضة من وقع الحسام المهنّد. وإن طريق العودة يحتاج إلى عزيمة محمود الفولاذية، فالأرض التي نناضل من أجل انقاذها من مخالب العصابة هي أرض ولدنا فيها وعاش فيها آباؤنا وأجدادنا وورثناها كابرا عن كابر فلابد أن نعود إليها، نحن معشر الإرتريين مطالبون بإنجاز هذه المهمة. ما ينبغي أن نستفيده من تجربة محمود هو أن الحلم الذي تأجل عقودا بعد التحرير لا بد في النهاية أن يتحقق ، ولذلك كان يعمل ليل نهار بجهده وماله وفكره، كانت لمحمود أفكار بناءة ومتقدمة تمنيتُ لو تحققت ورأيناها معا على أرض الواقع تثمر عدلا ونماء وازدهارا.
اقول لروح صديقي سنواصل مسيرتنا في جبهة التحرير الإرترية ولن نؤجل جهدا يدفع بعجلة النضال إلى الأمام حتى لا يتطاول ليل الشتات، وانتظار أهلنا في الداخل في ربقة الحصار والتجويع والإفقار المتعمد والتشريد والسخرة في الأعمال الشاقة والخدمة الوطنية الأبدية للشباب والزج بهم في حروب عبثية ونهب ثروات الوطن وبيع أرضه وجزره وموانئه وبحره وثرواته بأثمان لا تعود إلا لخزينة عصابة لا تتعدى الستة أفراد سرقت ماضي وحاضر الشعب الإرتري وتتمادى لسرقة مستقبله، إذا لم تتدارك القوى الحية من أبنائه الأمر وتقوّض عرش الطاغية.
رحم الله أخي المناضل محمود وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسُن أولئك رفيقا، اللهم أغفر له وأرحمه وأكرِم نزله ووسع مدخله مد بصره وابدله اللهم دارا خير من داره وأهلا خير من أهله ، ونقه اللهم من ذنوبه كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس ، واغسله اللهم بالماء والثلج والبرد ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، وأجعل اللهم البركة في ذريته وألهمهم وكل ذويه وأصدقائه الصبر وحسن العزاء.
وإنا لله وإنا إليه راجعون

شاركها

Share on facebook
Share on twitter
Share on pinterest
التصنيفات
منشورات ذات صلة