ثلاثيات الأيام الفارغة لأفورقي – فمن هي العاصمة القادمة..!؟ (مَوْجُودِية الإعلان الأخير)

بقلم / الباش مهندس صلاح على احمد

ونحن نتابع بإهتمامٍ منتظم، ما يجري الآن من تطورات سياسية ماثلة ، على مسرح منطقتنا في القرن الأفريقي و ما يحيط بدول جواره العربية شرقاً و شمالاً – و لا سيما التطورات المتتالية والمتسارعة في تطاير نتوءات العلاقات ما بين دولة القطب الشمالي في أفريقيا متمثلة في جمهورية مصر العربية، و دولة القطب الشرقي من ذات القارة الأفريقية متمثلة في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية – وذلك من جراء حيثيات وقائع الشد والجذب الأخير المتعلقة بمشروع سد النهضة الأثيوبي والأزمة المتفاقمة حوله في كلا البلدين- دولة المنبع ودولة المصب- وتَمَتْرُس كل دولة خلف خطابات التصعيد نحو الأخرى، كسبا للساحة الشعبية الداخلية و تخفيفاً من مستحقاتها – وجدتنا لا نستبعد تطور الأحداث إلى ما يفاقم الوضع الداخلي والخارجي في كلٍ من القاهرة والخرطوم و أديس أبابا – هذا بجانب ما نتوقعه من إنقلاب التواجد الخارجي من حيث السيطرة في شؤون القرن الأفريقي لصالح الصين – تركيا – إيران – وقطر و تراجع الإمارات – السعودية- ومصر- وأمريكا التي ستلجأ إلى المهادنة حتى تشبع تركيزها الداخلي من مائدة الإنتخابات وعلاقتها بعنصر السياسة الخارجية وتخفيف لهجة الحروب أو التصعيد السلبي لدبلوماسيتها في هذه المرحلة.
وهذا التراجع المحتمل في التقدم السعودي والإماراتي والمصري بجانب التفاقم الداخلي المحتمل في كل من مصر والسودان وأثيوبيا – ربما لاشك ولأول مرة سينعكس جديّاً وبقوة من الحدث المؤثر سلبا على أسمرا التي كانت زيارة رأس نظامها الدكتاتور أفورقي إلى الخرطوم في 25/06/2020، والتي مكث فيها ثلاثة ايامٍ – ثم لاحقها بزيارة إلى القاهرة بتاريخ 6/07/2020 كذلك كي تستغرق ثلاثة أيام أشبه بزيارة سياحية أكثر من كونها زيارة رسمية لا تعدو أن يتظاهر بموجوديته ليس إلا- ونحن ندرك تماما ليس لأفورقي ما يقدمه من مبادرة لتهدئة أجواء انفضاض مسار التفاوض نحو التصعيد الإعلامي الملحوظ بين مصر وأثيوبيا وهو – أي أفورقي- الحاكم الذي لا يمكن أن يعيش في أجواء السلام بل يرى إستمرار بقائه في السلطة كلما طالت آجال الحروب في المنطقة و تصدع الإستقرار الداخلي لدول الجوار، وما زياراته إلاّ لتأجيج الوضع ضمن تلك التوقعات من التراجعات في محوره الجديد – و إحتمالية الاهتزازات الداخلية في تلك العواصم الثلاثة – كما لا نستبعد أنّ وجود حاكم أسمرا الأخير في كل من عاصمتي السودان ومصر ربما كان يحمل رسالة في شأن التراجع الإماراتي موقعاً وتأثيرا في كل من الخرطوم والقاهرة بعد التقدم التركي في الجبهة الليبية وكذلك التراجع المصري والإماراتي هناك – وخاصة القاهرة التي لا تتحمل التقدم في الوقت الحالي نحو أية معركة تضعف معركتها مع (الزهرة الجديدة ) التي تتجه لتجميع المياه خلف سدها الجديد – النهضة – بالرغم من أن أثيوبيا هي الأخرى تواجه جبهة داخلية في إقليمها المركزي الأورومي والعاصمة المركزية للبلاد – أديس أبابا- التي شهدت في الثلاثين من يونيو المنصرف إحراق و تحطيم تمثال رمز لإمبراطورية الإثيوبية الملك منليك و كذلك آخر حكّام الأمهرا إلامبراطور هيلي سلاسي في مشهدٍ أقرب إلى ذاكرة الثورة العراقية وتمثال صدام حسين في بغداد – وإنْ حدث ذلك وقتها في العاصمة العراقية بفعل الآلة الأمريكية ، بينما الأمر في أديس أبابا كان بفعل داخلي – من غضب شعب الإقليم- الأورومو.

وهنا حين نتوقع تأثير الحدث المحتمل والمباشر جِدّيا في غير صالح نظام أفورقي في أسمرا، بسبب تفاقم تلك الأوضاع في دول المنطقة – لقد إنطلقنا من الترصدات المركزة المشهودة في الآونة الأخيرة نحو نظام أسمرا من قِبَلِ حكومة و حزب الجبهة الشعبية لتحرير تقراي ( الوياني) – الذي يدير يوميات الإقليم الشمالي من اثيوبيا (التقراي) ، وذلك بعد خسارتهم وفقدانهم مفاصل التحكم في قيادة الحكومة الفيدرالية من أديس أبابا- فور بدايات النصف الأول من سنة 2018 وبمجئ حاكم أديس أبابا الجديد أبي أحمد الذي كي يؤكد توطيد قدميه في إدارته لشعوب الجمهورية الفيدرالية في لونها الإثني العرقي كما هو مؤقتا – توجه مباشرة وفي عجالة لافتة من أمره نحو أولويات خيار( السلام مع إسياس أفورقي) ، الخصم اللدود والشرس لحكام التقراي – والذي تعامل مع فرصة الحدث المفاجئ من أبي أحمد القادم الجديد – أو منطاط النجاة بالنسبة لوضعه حينها – تعامل مع سلامه بعقلية ضربة “نهاية اللعبة” كما وصف تلك الفرصة التي ذهبت نحوه بإسم السلام – وهو يتخذ أمرها (كسلام نحو الحرب المبطنة ) على خصومه التقراي في الشمال الأثيوبي وعاصمتهم “مقلي” .. وأنّ ما سمي بالسلام ما بين أديس أبابا و أسمرا كان في حقيقة طبيعة خفاياه ، هو تلاقي الذكاء المتبادل لكل من ابي أحمد و إسياس أفورقي من فرصة عنوان السلام بينهما على حساب المستحقات الطبيعية والحقيقية للسلام في كلا البلدين – فكان ما ظللنا نسميه (بسلام الإنتقام) – و نستدل الآن حتى نشرعن وصفنا له بذلك- أن ما سُمي بالسلام وقتها لاح ضجيجا بين سماوات الفضاء الإعلامي الذي صاحب الزيارات المتبادلة لكلا الحليفين الجديدين “المؤقتين” – دون تسجيل أية خطوة تطبيقية تتعلق باتفاقية الجزائر في 12 ديسمبر 2000م التي نصت على الوقف الفوري لما عرف بالحرب الحدودية بين البلدين – وثم ترسيم الحدود بينهما فور الحكم الفيصل من محكمة لاهاي الدولية ، إذ سلمت لجنة الحدود الإرترية الإثيوپية قرارها حول ترسيم الحدود بين إرتريا وإثيوپيا لممثلي الحكومتين يوم السبت 13 أبريل 2002م.. و لم يتم إنجاز الترسيم إلى اليوم رغم سلام الهرولة ما بين البلدين والذي بجانب عواملٍ أخرى أدى إلى مكافأة الأثيوبي أبي أحمد و الإرتري أفورقي ميداليات السلام في كل من أبوظبي والرياض اشارة إلى من كان خلف اللقاءات الأولى والتي أدت إلى عودة العلاقات ما بين حكومة أديس أبابا ونظام اسمرا – بجانب فوز أبي أحمد بجائزة نوبل للسلام دون أفورقي الذي كان قد أعلن بعضلة لسانه تسليم القيادة في البلدين إلى حاكم أديس أبابا الجديد- فكيف له إذاً المشاركة في نوبل كما توقع أنصاره في القسمة من تلك الجائزة التي إنفرد بها قائده أبي أحمد علي.

فإستمر أمر الحدود بين البلدين كما هو بالرغم من أجواء السلام بين أبي أحمد و إسياس أفورقي- لكن تفاقم الوضع ما بين “مقلي” واديس أبابا من جانب و من جانبٍ آخر ما بين مقلي وأسمرا – لم يكن مجرد تفاقم يضع “مقلي” عاصمة التقراي في عزلة أو انكفاء داخلي إنما اتجه الأمر إلى ما سيهدد الوحدة الداخلية للجمهورية الفيدرالية كما سيهدد إستمرار الدكتاتور الإرترية أفورقي في حكم البلاد من أسمرا وبقائه في السلطة – في الوقت الذي تعامل به أفورقي مع السلام من أجل معركتين- معركة الإنتقام من التقراي و معركة الإنتقام من (الهرقلة الإثيوبية وكابوس حجمها وتأثيرها الإقليمي) – الإنتقام من وحدة الجمهورية الفيدرالية – التي أعلن صريحا وبثعلبيته و دهاء مكره وقوفه ضد الفيدرالية المبنية على القوميات حتى يدفع بالتأزيم الأثيوبي الداخلي بالرغم من نظرية القوميات التي يتبناها نظامه في إرتريا- وهي العصاة السحرية التي لقف بها المكونات المجتمعية الإرترية المتنوعة داخل جيب قوميته ” التقرنية” الحاكمة فعلياً وبحصرية محكمة من منظومته في إرتريا … وهذا الرفض الذي يراه من فيدرالية القوميات العرقية في إثيوبيا ما هو إلا صب الزيت في النار لإشعال ما هو قائم وجاري اليوم في إثيوبيا.

وأخيرا ما يسعنا إلا أن نستفهم أنّ زيارات افورقي ليست ذات معنى ولن تتوقف عند حد القاهرة بل نتوقع زيارته إلى أديس أبابا إن لم تسبقها زيارة إلى كلٍ من ابوظبي والرياض – وكلها مكوكيات تدور فقط حول إدعائية ” أنا موجود ” وهكذا ألفنا عقلية أفورقي الذي يعلن عن قوة وجوده في مخيلة الآخرين منتهزا الظروف المتفاقمة والتصعيدية على الصعيد الداخلي لدول الجوار و الصعيد الخارجي على مستوى الأزمات المتجددة في المنطقة المحيطة بارتريا وخاصة القرن الأفريقي منها – فهو الآن ينشط ليس لتخفيف الأزمات والمشاركة بمبادرات دخانية مألوفة منه إنما ليستفيد من تأجيجها – ونحن نتمنى استحكام العقل و تفويت الفرصة على كل من يدفع بتأزيم الأمن والسلام في المنطقة – فإنّ موجودية أفورقي هنا وهناك يبشر بها إلى تطورات ما يجرى من واقع مخيف وأحداث أزمات قادمة قد تشكل خارطة سياسية جديدة غير متماسكة في القرن الأفريقي و ربما ستنعكس على الوضع الداخلي لدول المنطقة برمتها – ونقول ما هي جاهزيتنا للتعامل مع ما هو قادم من أحداث بات مقدمات خيوطها يتسلل من ثقوبٍ أصبحت أقطاب إمتدادها واضح و محيطها يتسع ما بين عواصم دول الجوار و الإقليم.
أما أفورقي ليس في جعبته ما يقدمه غير الإستفادة من الأزمات- ففاقد الشئ لا يعطيه- مع أننا لا نتنبأ ولكن نكون أقرب إلى من يصاحبه الشعور والإحساس بأنّ أفورقي أشبه بمن يودع تلك العواصم في أخر زياراته لها- في حال من موجودية الإعلان الأخير، وهو الذي إختار أن تكون زياراته أن تستغرق ثلاثيات من الأيام في كل عاصمة، ولتعكس عدم أهميتها بل يمكن أن نصفها زيارات “فارغة” على منوال “كلام فارغ”- فهو أفورقي- الدكتاتور الذي يتقلّب ولا يتغيّر تفكيره إلى يوم رحيله وهو الأقرب نحوه اليوم.. وربما زياراته المتلاحقة دون أهمية قصوى من الضرورة – و في زمنٍ أغلقت فيه المطارات أبوابها بفعل جائحة الكورونا تستدعي أن نقول هي الأقرب إلى علامات المودّع .. والآجال بيد الله.

شاركها

Share on facebook
Share on twitter
Share on pinterest
التصنيفات
منشورات ذات صلة