الحدود الفاصلة والمتداخلة بين المشروع الوطني والحزبي لبناء المجتمع والدولة – بقلم الدكتور/ ياسين مدني محلل وباحث إعلامي 

بقلم الدكتور/ ياسين مدني محلل وباحث إعلامي 

حقيقة ما دعاني لكتابة هذا المقال هو حالة الاستقطاب الحاد وفقدان البوصلة الذي تعيشه الساحة الارترية بكل مكوناتها.
كنت قبل فترة أقرأ مقال تحليلي عميق للأستاذ الدكتور التيجاني عبد القادر وهو أستاذ سابق في جامعه الخرطوم والجامعة الاسلامية في ماليزيا وأمريكا قبل ان يستقر به المقام في جامعة قطر وهو واحد من العقلاء والحكماء في الحركة الاسلامية السودانية ويقول في مقاله أن المعادلة الصفرية هي ان وجودي مرتبط بالانتهاء من الطرف الآخر والطرف الآخر وجوده مرتبط بالانتهاء مني وهو يصف الصراع بين الإسلاميين واليسار في السودان فلا توجد منطقه وسطى للتعايش والمقال فيه اعتذار ضمني للشعب السوداني لما أصابه من فتن ومحن من جراء هذا الصراع بين الطرفين ويقول يجب ان لا نورث هذا التراث للأجيال القادمة.
حقيقة ان منطق التعايش هو الذي أولته كل الأديان السماوية اهتمام كبير وحسب فهمي وتحليلي ان تكون هناك منطقة رمادية يلتقي فيها الفرقاء بمنطق الحد الأدنى للعمل سوية للتخلص من النظام المجرم في إرتريا وتكوين جبهة وطنية عريضة.
إن الاستفادة من تجارب الآخرين ودراستها مهمة في تخليص شعبنا من ويلات حروب وتباغض وتشاحن واستقطاب مضاد وشيطنة البيئة بحيث لا يمكن أن تنبت فيها بذرة التعايش وقبول الآخر كما هو لا كما أريده أنا.
كل المعارضة الارترية بمشروعها الوطني وبرامج أحزابها تنادي بأن مصلحه الوطن والمواطن الارتري هو غايتها ولكن الحقائق والوسائل لا تشير إلى ذلك. يعرف فقهاء القانون والسياسة بأن الانتماء الوطني:
هو الانتساب لبقعة الأرض المقيم عليها الفرد وحيثُ يكون متوحداً ومندمجاً فيها ، وله شرف الانتماء لها ولقيمها وثقافتها ، وشعوره بالأمان للعيش ضمن حدودها ، والولاء المطلق لها والتضحية والإيثار من أجلها ، والتفاعل الإيجابي والاندماج مع أفرادها والشعور بالانصهار الكلّي في عاداتها وتراثها ، والانتماء الوطني صفة مكتسبة في حالة الولادة على تلك البقعة لا يمكن التخلي عنها بسهولة أو استبدالها بانتماء آخر .
أما الانتماء الحزبي (السياسي) : فهو الانتساب إلى جماعة أو كيان أو تجمّع متجانس في الأفكار والمعتقدات السياسية وإن لم يلقَ بعضهم بعضاً أو يشتركوا معاً بالإقامة على وطنٍ واحدٍ أي ممكن. ومعظم الأحزاب الشيوعية في الدول النامية والدول العربية كانت مرتبطة بالاتحاد السوفيتي وسقطت بسقوطه بل بعضهم أصبح أداة للغرب الذي كان ينعتونه بالرأسمالية. وهناك أحزاب لازالت مرتبطة بتنظيمات عالمية وإقليمية.
ومن مجموع التعاريف أعلاه سيكون ان شاء الله بشكلٍ عام مدخل لصلبِ المقالة .
الملاحظ من ان هنالك تداخل وضبابية في المعنى لدى الكثير من المنتمين للأحزاب في تفسيرهم لجوهر المشروع الوطني والتفريق بينه وبين المشروع الحزبي. وحسب تحليلي يجب التفريق بين الأحزاب والحركات الوطنية التي لم تصل مرحلة البلوغ وبين جماعات الضغط لأن بعض الأحزاب هي جماعة ضغط أكثر من كونها أحزاب لها مشاريع سياسية وتنموية تفيد الوطن.
ومن اجل النهوض بالوطن يجب النظر بزوايا مختلفة وليس بزاوية محددة والتفريق بين ما هو عام ومصلحة عامة وبين ما هو مصلحة حزبية لجماعة معينة وفكر معين والأحزاب والحركات والجمعيات في الدول التي يحكمها القانون برامجها مرتبطة بمتطلبات المواطنين وحاجاتهم اليومية والتنافس في الانتخابات لا يكون على أساس كاثوليكي أو بروتستانتي وإنما على أساس التقدم في برامج الصحة والتعليم والضرائب وخفض مستوى البطالة وإيجاد فرص توظيف وزيادة الناتج القومي.
المشروع الوطني في ارتريا مغيّب بين كماشة مشروع الايدولوجية الفكرية الحزبية وبين استخدام الدين كغطاء سياسي من كثير من الأحزاب في المنطقة العربية.
الانتماء الوطني حالة مكتسبة ليس من السهل تغييرها وذلك لعلاقتها بطبائع الإنسان وطرق معيشته وصفاته التي تراكمت لتكوين شخصيته المرتبطة بالأرض منذ دهور سحيقة (الأنثروبولوجيا) وعلاقتها بالأجناس البشرية (الأثنولوجيا) التي تحيا على بقعة الأرض ، فتصبح كالروح في الجسد التي بدونها يعتبر الجسد ميتاً.
الانتماء القومي حالة نسبية تعتمد على هوية الوالدين (إذا كانت موحدة أو هجينة) ، وبالنسبة لنا كإرتريين من الصعوبة إثبات العنصر القومي النقي بسبب الهجرات والتزاوج و النزوحات المستمرة التي أدت إلى اختلاط الدماء التي تجري في عروقنا .
الانتماء الحزبي العقائدي والمشروع الحزبي هو مرحلي قابل للتغيير وفق مراحل التطور الفكري أو انتكاسه أو وفق تغيرات الظروف السياسية والزمانية والمكانية.
إن الشعب الإرتري يتطلّع من الصميم إلى ان تعيد تلك الأحزاب والحركات الوطنية وأعضاءها تقييم مراحل وفترات نضالها وتعلن بكل شفافية إخفاقها في الوصول إلى أهدافها المعلنة والمصرّح بها في كتبها ونشراتها الوطنية والحزبية ، وتغيّر من مشاريعها بالمشروع الوطني الذي يسع الكل في طرحه ومحتواه والعمل على ولادة جديدة لمجتمع متجانس فكرياً ووطنياً يكون همّه الوحيد كيفية بناء الوطن والنهوض به من كبوته وتخليصه من المجرم أسياس وعصابته، ومصارحة تلك الأحزاب والحركات الوطنية لشعبها بالحقائق وعدم التشبث بأيديولوجيات أثبتت الوقائع عجزها عن تحقيق الرفاهية والسعادة أو حتى أدنى مقوّمات الحياة العصرية لمواطنيها .
خلاصة القول ومن خلال ما طرحناه وناقشناه أعلاه يتبين لنا بشكلٍ واضحٍ وجلي الحقائق التالية :
• ركوب الموجة دون معرفه أضرارها وتبعاتها من قبل القوي الوطنية والحزبية الارترية يشكل عائق أمام إيجاد فرصة لتكوين جبهة وطنيه عريضة.
• نظرة الغشاوة بين ما هو حق للجميع وبين ما هو حق لجماعة معينه منضوية تحت حزب معين.
• اعتقد والله اعلم أن برنامج جبهة تحرير ارتريا يحمل مشروع وطني ارتبط بوجدان الشعب الارتري ويحمل فسيفساء المجتمع الارتري.
• يمكن لأي حزب ان يتحول إلى فكر ومشروع وطني حقيقي إذا عرف الحزب ان المصلحة العليا للوطن والمواطنين هي الغاية وهي بدورها تحافظ على مصلحة الحزب ومشروعه لأن تغليب المصلحة الوطنية هو الهدف ومن باب القاعدة الفقهية جلب المصالح لعوام المسلمين وغير المسلمين حتى ينجذبوا للإسلام ودرء المفاسد التي تمثلها المصلحة الضيقة.
• الأحزاب في الدول التي يحكمها القانون تتصارع وتتسابق في طرح برامجها في كيفيه تقديم خدمات للمواطن نوعية وكمية.
• القوي الوطنية الارترية مطلوب منها أن تتمسك بالمصلحة الوطنية كإيمان ومبدأ وهدف وليس من أجل دغدغة عواطف الجماهير .
• القوى الوطنية والحزبية ان تطرح مشاركة المواطنين في السلطة في ارتريا بناء علي مبدأ الجدارة العلمية.
• القوى الوطنية والحزبية عليها ان تؤمن وتضع ميثاق شرف بموجبه يتم عرض بضاعتها للجماهير وهي الحكم وصاحبة المصلحة الحقيقية.
• المطلوب إيجاد منطقة رمادية تلتقي فيها كل مكونات المعارضة لأن منطق يا ابيض يا اسود قد فشل.

شاركها

Share on facebook
Share on twitter
Share on pinterest
التصنيفات
منشورات ذات صلة