الأربعاء , 3 يونيو, 2020
الرئيسية / مقالات / الوطن بين أحلام المواطن واستحواذ النخب

الوطن بين أحلام المواطن واستحواذ النخب

بقلم الأستاذ / محمود عمر

الوطن تلك البقعة من الأرض التي يستنشق فيها المولود الهواء لأول مرة يخرج من رحم الغيب ، وينمو فوقها ويتذوق ويقبل ترابها منذ نعومة أظافره ،ويترعرع وهو يعانق أشجاره وأزهاره ،ويكبر الوطن ويمارس الانسان عادات وتقاليد وعبادات وسط أسرته الصغيرة من بيت وجيران وأصدقاء صبا وملاعب ،هذه التراكمات التي تشكل لوحة وجدانية لا يمكن ان تفارق الشخص أمد حياته. هذا التعريف الوجداني الذي حرم منه كثير من الجيل الارتري الحالي ،الذي ولد في فيافي المعاناة ومعسكرات اللجوء أو معسكرات الثورة بطول فترة النضال الارتري في الحرية والاستقلال ، إلا انه ظل حلمه أكثر تشويقاً له بحكايات الأجداد والأباء .

بعد خروج المستعمر تقمصت نخب  المركز في منطقتنا صفة شرعية الدولة القانونية، و فصلت الدولة علي نفسها دون الاكتراث لمكونات الدولة الأخري بحدودها السياسية ،وأدارت دولاب الدولة لاستغلال خيرات الأوطان ونهبها للمركز ،وإستيراد كل المنتجات القهرية وإختيار الأفراد بغربال دقيق و تأهيلهم  في كل صنوف التعذيب و ترقيتهم وتحفيزهم وفق إبداعهم في كبح حقوق المواطن وإذلاله، مما أدي الي التناحر الداخلي و الإنفجار الذي تعيشه المنطقة العربية من دمار وقتل واصطفاف علي الأطر التقليدية طائفية أو جهوية وقبلية ، وبرز التحدي بين المجتمعات التي تكون الدولة ومواجهة آلة الدولة للشعوب وقمعها .

هذه الأزمات المؤلمة  التي تعيشها شعوب العراق وسوريا واليمن وليبيا، وفي أفريقيا جنوب الصحراء كذلك في الصومال وجنوب السودان كأحدث دولة التي شهدت إقتتال رفقاء الأمس ،و البركان الإثيوبي الذي يعاني من غليان داخلي له تداعياته في المنطقة  وكذلك السودان بعد ثورة ديسمبر التي رفعت لواء للتغيير الديموقراطي رافعة شعار حرية سلام وعدالة ،ولكن رغم جهد القوى المحبة للسلام تظل ألسنة البركان تلتهم أطراف السودان وخاصة في كل من دارفور وجنوب كردفان والشرق، وهنا يمكننا أن نقول أن وسيلة وتركة الأنظمة الدكتاتورية متشابهة.

بالرغم ما قدمه الشعب الارتري في ملحمة الكفاح المسلح والاندماج السلس لكافة فئاته ومكوناته الاجتماعية وتقديمه كل التضحيات حتي أصبحت أداة نداء الشعب (أخي الثائر) (حو تقادلاي ) وكان حلم شعبنا المكافح إقامة دولة نموذجية في التعايش السلمي والعدل والمساواة والسلام تستهدي به شعوب ودول المنطقة. إلا أن هذه الأحلام والآمال تبخرت منذ الوهلة الاولي من قيام الدوله الارترية حيث اختزلت نضالات وتضحيات الشعب الارتري علي فصيل الجبهة الشعبية المولود عام 1975م بل تماهت النخبة من قبيلة المركز وإنفردت بالدولة ومارست أبشع وسائل البطش ولم يسلم حتي الشرفاء من داخل المنظومة نفسها والذين كانوا يأملون ان يحقق الشعب الارتري حلمه في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بل كان مصيرهم القتل والاقتياد الي المجهول.

 

تبددت أحلام الشعب الارتري في العيش الكريم والسلام مما اضطره للجوء مرة اخري وأصبح الشباب الارتري يشكل أعلي رقم في الهجرة الغير شرعية هرباً من القهر والعوز بالرغم من المخاطر الكبيرة حيث أصبح أجساد أبناءنا الغذاء الرئيسي لحيتان البحر الابيض المتوسط والسلعه الرائجة لبيع الأعضاء البشرية في سوق النخاسه كابشع جريمة يندَى لها جبين المجتمع الدولي ناهيك عن الانسان الارتري.

أن الممارسة القهرية لدكتاتورية نخب المركز الفاسدة والقبضة الحديدية والاضطهاد الثقافي والاجتماعي والطائفي الذي تمارسه . أدخل الدولة الارترية في عنق الزجاجة وصار معه الانفجار قاب قوسين أو أدني. لذلك المسئولية الوطنية وصيانة أمانة الشهداء تفرض علي كافة أبناء الشعب الارتري  مواجهة المخاطر وما يترتب عليها من المسئولية وأن التحدي الذي يواجهه المجتمع الارتري عموماً والنخب الوطنية علي وجه الخصوص ليس إسقاط حكومة جنرالات قبيلة المركز فحسب بل التحدي الأساسي في إنقاذ البلد من الانهيار ومستقبل الدولة الفاشلة التي تنبأ به خبراء عديدون وفق القراءة المنظورة لطبيعة النظام المفرط  في القوة وشكل المعارضة المتباينه الي حد بعيد والضعيفة.

أن أولوية رتق النسيج الوطني والاجتماعي تقع بالأساس علي أبناء قبيلة المركز الرافضين لتوجـُّــه هذه النخبة الفاسدة وعليهم بذل أقصى مجهود لرفض الممارسة الإقصائية التي عانت منها مكونات البلاد الأخرى وأن يقروا بالمظالم التي عبرت عنها مكونات الدولة الارترية الأخرى سواء كانت ثقافية أو طائفية أو قومية أو جهوية واعتماد حوار مفتوح غير مشروط دون الطعن في محاولات الدفاع عن الذات أو النظر بدونية للعمل المعارض السابق من ورش ومؤتمرات وأجسام ووسائل نضالية نشأت منذ فجر الاستقلال وأبقت علي جذوة مقاومة هذا النظام الجائر بالرغم من ضيق ذات اليد ومساحة العمل، بل جادت بأفواج من الشهداء والمعتقلين، ومن العدالة والمسئولية أن نلتفت الي تجربتين مهمتين في المعارضة الارترية وهي التحالف الوطني الارتري الذي نتج عن حوارات وسمينارات وإختلاف وأتفاق حتى وصل إلى ما هو عليه وما يزال يمثل إرثاً نضالياً ومشروعاً تتمسك به بعض الفصائل فمن الأجدى والأفضل أن نعتبره محوراً أساسياً من محاور المعارضة بما يضمه من تنظيمات و أحزاب تؤمن بميثاق تراضت عليه، والتجربة الثانية هي تجربة مؤتمر أواسا الذي ضم غالبية القوى السياسية الارترية ومكونات الشعب الارتري ومنظمات المجتمع المدني، وبالرغم من الاخفاقات والخلل الاداري الذي شاب هذه التجارب .علينا أن نقر مجلس التغيير الوطني حقل اختبار لها أو مقياس لتطور العمل المعارض البديل، بل يجب أن نعتبر صراعات قوى المجلس مران طبيعي وصحي في إدارة الخلاف عبر المؤسسات وتعميق التجربة الديمقراطية لحل الخلافات، وأن يكون ديدن القوى اللاحقة من نخبة قبيلة المركز التي تقاطعت مع النخبة الحاكمة الفاسدة والتي تعتبر رافداً أصيلاً لعمل المعارضة أن تكون غايتها إخراج البلاد من النفق المظلم الذي تعيشه وينتظرها، متناغمة مع مؤسسات المعارضة و ليس لاغية لها. وعلي الجميع أن يأخذ بالمتطلبات الأساسية للمخارج ، واعتماد إقرار التباين الإثني والثقافي ،وضرورة مد جسور التفاهم ،ومحاربة الاقصاء والتهميش بكل أشكاله ، وتشجيع الشفافية في تقاسم السلطة والثروة والإقرار بضرورة التحول الديمقراطي وإقامة ورش عمل وقوالب تساعد علي ذلك ، من إقامة منظمات فئوية مدنية مثل الشباب والطلاب والمرأة ،وكذلك التنظيمات المهنية من اتحاد قانونيين وأطباء وصحفيين ،وكذلك المنظمات والجمعيات الانسانية لتواكب المشاكل الاجتماعية التي يمر بها شعبنا لتقدم خدمات التعليم والصحة في معسكرات اللاجئين ومواجهة المخاطر التي يتعرض لها اللاجئ الارتري في كل مكان بالإضافة لمواجهة أي طارئ قادم.

 

إن تحديد قنوات الحوار وإيجاد وسائل الحلول وقيام المؤسسات لحل القضايا الخلافية ووجود جسم جامع لكل أطياف الشعب الارتري هو الذي يطمئن شعبنا أنه بالإمكان تجاوز المحنة وقيام دولة مؤسسات تقوم بملء الفراغ أو تتصدى لكل المهلكات التي تواجهها الشعوب من حولنا وتنبئ بمستقبل مشرف لهذا الشعب المميز في العطاء والمثابرة والتوافق والعيش الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.