الرئيسية / الرئيسية / لماذا تقوربا دون غيرها من المعارك ؟ “قراءة مختلفة”

لماذا تقوربا دون غيرها من المعارك ؟ “قراءة مختلفة”

منذ أكثر من خمسين عاماً يُسكب الكثير من الحبر في الكتابة عن معركة تقوربا ومعانيها العميقة ، و كذلك رويت أحداثها مراراً وتكرارا في الاحتفالات العامة والمجالس الخاصة والعامة ، وزاد التفاعل مع أحداثها أكثر منذ أن أتخذت اللجنة التنفيذية لجبهة التحرير الارترية المنتخبة من المؤتمر الوطني الأول المنعقد عام 1971م قرارها التأريخي باعتبار يوم معركة تقوربا “15 مارس” يوماً لجيش التحرير الارتري ومنذ ذلك التأريخ أحتفلت جماهير الشعب الارتري وجيش التحرير الارتري تسعة وأربعون أحتفالا تفاوتت في حجمها تبعا للظروف الموضوعية المحيطة بالمحتفلين بها ، وقبل ذلك كانت مجرد ذكرى جميلة يعرف أهميتها ويتحسس معانيها العميقة الرعيل الأول وقدامى المحاربين ومن واكب أحداثها من الجماهير الإرترية.
وقبل الخوض في القراءة المختلفة يجب ذكر بعض الأحداث التي يكاد يعلمها الجميع ، وهي أن معركة تقوربا كانت أول معركة بين جيش التحرير الارتري قليل العدد والعتاد والجيش الأثيوبي بعدده وعتاده وتدريبه المتقدم ، وما قبل معركة تقوربا كانت معارك خاطفة مع البوليس وقوات الفلد فورس وعمليات فدائية جريئة كان ينفذها أبطال جيش التحرير بين الفينة والأخرى ، بينما في تقوربا قد أختلف الأمر ، فالمعركة حدثت مع الجيش الأثيوبي وتحديدا مع الكتيبة القادمة من الكونغو بعد أن شاركت في حسم الأمور هناك ، وكانت في قمة زهوها وخيلائها ، وبغض النظر عن ما كبده جيش التحرير للعدو الأثيوبي من خسائر ، إلا أنه هو الآخر تكبد فيها خسائر كبيرة ، ففقدان ثمانية عشر بطلا هي خسارة كبيرة بمعايير هذا الزمن ناهيك عن ذاك الزمن الذي كانت تعاني فيه الثورة من شح وندرة في كل شيء.
أما القراءة المختلفة فلها ثلاثة محاور:
المحور الأول : هو الذاكرة الجمعية ، و تُعرف “الذاكرة الجمعية” بأنها الطريقة التي تتذكر بها الجماعات تأريخها ، أي أننا نتعامل مع الذاكرة هنا لا بكونها فعلًا فرديا خاصاً ومستقلًا بنفسه، ولكن بكونها ظاهرة تجمعنا كلنا ، وتقوربا هي ذاكرتنا الجمعية التي يجب أن لا نفرط فيها أختلفنا أم أتفقنا في غيرها من القضايا ، فتفريطنا فيها هو تفريط في نقطة أرتكاز محورية في تأريخنا ، فتقوربا من ناحية النظرة السياسية العامة كانت قبل الخلافات والاختلافات والتشرزمات هذا من ناحية ، أما من ناحية ثانية اجتماعيا فهي أيضا مثلتنا كمجتمع يوم أن تم تعليق جثامين شهدائها الأبرار في معظم المدن الإرترية.
أما المحور الثاني : تقوربا كانت نقطة أنطلاق حقيقية لأنها رسمت النقطة الفاصلة لما قبلها وما بعدها ، فما بعدها لم يكن يشبه ما قبلها ، فعلى الصعيد الجماهيري إزداد التفاف الجماهير الإرترية حول الجبهة نتيجة الحشد الجماهيري الذي أوجدته ليلتحم أهل الريف بأهل المدن ويشكلوا سيمفونية متناغمة كلٍ أدى فيها دوره بتفاني وإخلاص ، وعلى الصعيد الإعلامي أحدثت تقوربا فرقا واضحا ، فقد سار الركبان بأخبار الجبهة بل أن أخبارها تعدت إرتريا لتصل دول الإقليم وتذيعها إذاعة صوت العرب في القاهرة ، وعلى الصعيد العسكري أحدثت فرقا في ناحيتين ، الناحية الأولى زادت أعداد جيش التحرير عندما بدأ يلتحق الشباب به وحدانا و زرافات الأمر الذي أضطر جيش التحرير لإنشاء هيئة تدريب عامة بقيادة الشهيد القائد عمر دامر والناحية الثانية التسليح ، عندما وصلت أول دفعة سلاح حديثة من سوريا ، دخلت لأول مرة الساحة الإرترية هي عبارة عن ستين قطعة كلاشنكوف وقد أحدثت فرقا واضحا بعد أن كانت تعتمد الجبهة على بنادق أبو عشرة وأبو خمسة التي هي أقرب لبنادق الصيد منه للبنادق الحربية.
أما المحور الثالث : تقوربا جسدت الإرادة القوية فلم يحسمها العدد ولا العتاد فالأفقر في هذا الجانب كان جيش التحرير الارتري مقارنة بالعدد والعتاد والتدريب الذي كان يتفوق به جيش العدو الإثيوبي ، والذي بدوره كان غارقا في خيلائه متفاخرا بما لديه لدرجة أن بدأ ضباطه وجنود هجومهم على جيش التحرير وهم وقوفا يرددون أهازيج الفروسية ، لكن سرعان ما أجبرتهم تلك الثلة المباركة على القتال وهم ملتصقين بالأرض بعد أن شاهدوا رفاقهم يتساقطون قتلى أمامهم وبجوارهم .
ختاما ماذا يمكن أن نستخلص من كل ذلك ونحن الذين في حاجة ماسة لكل عظة وعبرة في نضالنا ضد أعتى دكتاتوريات العصر الحديث ، فأول العبر أن أدال وأومال وتقوربا وغيرها من محطات تأريخنا المشترك قد بقت حية لارتباطها بذاكرتنا الجمعية وإلا لكانت تلاشت كما تلاشت الكثير من أشيائنا الجميلة قوتنا وفاعليتنا نموذجا.
ونحن قد حبانا الله بمحطات تأريخية كبيرة تشكل ذاكرتنا الجمعية ، بينما الكثير من المجتمعات ليس لديها مثل هذا التاريخ ، ولأنها واعية لأهميته لهذا تحاول بكل ما أوتيت من قوة لصناعته عبر تضخيم المواقف الصغيرة والبسيطة لتصنع ذاكرة جمعية لمجتمعاتها، بينما نحن نفتقد للوعي بما لدينا، خاصة وأننا نواجه نظام يعمل منذ قرابة الثلاثين عاما لإجتثاثنا و رغم محاولاته الحثيثة فشل في طمس تأريخنا لقوته وإرتباطه بذاكرتنا الجمعية ، لهذا علينا إحياء هذا التأريخ بشكل مستمر وبكل السبل و التمسك به حتى الرمق الأخير وتوريثه لأبنائنا ما وسعنا ذلك ، أما ثاني العبر فهي أننا اليوم نملك أضعاف ما كان يملكه أسلافنا في تقوربا وغيرها ومع هذا حالنا أقرب للموات منه للحياة وذلك لأن تنقصنا الإرادة التي كانوا يملكونها بكل تفاصيلها ونفتقدها نحن ، فبينما هم كانوا بسطاء لم ينالوا من العلم ما نلناه نحن ، وكذلك لم ينالوا من الثروة ما نلناها نحن ، فقد كانوا فقراء مقارنة بمجتعنا اليوم الذي فتحت له كل سبل الرفاهية خارج السجن الكبير في الوطن الارتري ، ومع كل هذا نعجز أن ننجز ولا واحد في المئة مما أنجزوه ، فلنشحذ الهمم ونقوي الإرادة حتى ننجح في اقتلاع الكابوس الجاثم على صدر شعبنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.