الرئيسية / كلمة المحرر / السعودية هل رضخت لابتزاز الطاغية أسياس أم في طريقها لترويضه؟

السعودية هل رضخت لابتزاز الطاغية أسياس أم في طريقها لترويضه؟

السعودية دولة كبيرة تملك الكثير من المقومات لتكون عظيمة ، لديها مكانة دينية كبيرة فهي قبلة لمليارين مسلم تقريباً و لديها قوة اقتصادية أيضاً كبيرة فهي إحدى دول العشرين الأكبر اقتصادا ، وكذلك لديها قوة بشرية لا يستهان بها إذ يبلغ عدد سكانها خمسة و ثلاثين مليونا تقريبا ومساحتها كبيرة لدولة تحكم مركزيا ، وما يهمنا في اطار تعليقنا هذا هو سياستها نحو وطننا ارتريا وما يمكن أن تلعبه من أدوار إيجابية بحكم العلائق الكثيرة التي تجمعنا بها والمكانة السامية و الكبيرة التي لها في نفوس قطاع واسع من الشعب الارتري ومواقفها المشرفة والمبدئية في دعم نضال الشعب الارتري في مرحلة الكفاح المسلح ، لكل ذلك كان يفترض أن يكون الارشيف السعودي عن ارتريا مليء بأدق التفاصيل عن الدولة اللصيقة بها والمؤثرة جداً في أمنها، والتي إذا أحسنت القراءة والتصرف كان يجب أن تكون ظهيرا لها لا تخشى منها على أمنها ولا على أمن البحر الأحمر ، فهل فعلا السعودية لها مثل هذه القراءات الواعية؟ ما يجعلنا نشك في وجود ذلك تعاملها مع أسياس والتفاعل السريع مع ابتزازه لها وإن كان للاستجابة السريعة وجه آخر يجب أن لا يفوتنا وهو الترويض وإحتواء الموقف ومنعه من التطور ونأمل أن يكون الاحتواء والترويض وأستخدام كل كروت الضغط عليه هو الهدف من الدعوة وليس الاستجابة للابتزاز، وأسياس قام بالابتزاز على مرحلتين ، ففي المرحلة الأولى الابتزاز كان مباشرة بعد توقيع ميثاق الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ، عندما خرجت علينا وزارة إعلام الطغمة الحاكمة في إرتريا بتصريح صحفي هاجمت فيه تصريحات أدلى بها وزير الدولة السعودي للشؤون الإفريقية ، وعلّقت الوزارة بقولها إن تصريحات القطان لا علاقة لها إطلاقًا بتطورات وحقائق اتفاق السلام التاريخي، وأضافت أن التصريح يعد إقصاء لإفريقيا وإنجازات الأفارقة في هذا الشأن و وصفت كل ذلك بأنه إدلاء بروايات لا أساس لها .
وكان واضحا أن الهجوم على وزير الدولة للشؤون الأفريقية السعودي تم بقصد الابتزاز ، وإلا ماذا نسمي التوقيع على اتفاقية السلام من قبل الطاغية أسياس ورئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في مدينة جدة بتاريخ 16 سبتمبر 2018م ، رغم أن اتفاقية السلام المزعوم وقعت في يونيو من نفس السنة ، إلا أن قبولهما بتوقيعها مرة أخرى في جدة كان عن رضا وقبول من طرفيها ، والسؤال الطبيعي الذي لابد أن يطرح هنا ، لماذا جاء رد فعل وزارة اعلام النظام بهذا العنف طالما كان الأمر عن رضا ، ونحن هنا نجزم لمعرفتنا بالنظام وطريقة تفكيره أن رد فعل النظام الارتري عبر وزارة إعلامه أتى بقصد الابتزاز إلا أن الحكومة السعودية لم تلتقط الرسالة أو تغاضت عنها ، لهذا اضطر أسياس أفورقي للدخول في المرحلة الثانية من الابتزاز ، ففي لقائه التلفزيوني المعد له جيدا و الذي أجراه على مرحلتين وتناول فيه الكثير من ما يدور في الاقليم بصفة عامة وأسهب في ذلك متقمصا صورة المفكر الذي لا يشق له غبار ، تناول ضمن ما تناول الكيان الذي تم تكوينه مؤخرا في العاصمة السعودية الرياض في مطلع يناير الماضي و ضم دولا عربية وإفريقية وعرف بـ “مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” فقلل من شأنه و وصفه بمجلس للعلاقات العامة ، هنا يتضح التناقض الآخر لنظام أسياس الذي دأب على عدم الاهتمام بتناقض مواقفه بقدر أهتمامه بنتائجها ، فالسؤال الطبيعي طالما الأمر هكذا ، لماذا أعلن انضمامه له و وقّع على ميثاق تأسيسه ؟
فالحقيقة المجردة أن أسياس فعل ما فعل و وقّع ما وقّع عن وعي وتخطيط مسبق وهذا ديدنه وتاريخه وكان يأمل أن يقبض الثمن مباشرة ، والواضح أيضاً أنه لم يقبض أو قبض من الثمن ما يعتقد أنه أقل من القيمة الحقيقة لبيع مواقفه ، فلجأ للابتزاز لقبض ما يعتقد أنه ثمن لمواقفه ، ونعتقد أن السعودية في المرة الأولى لم تفهم الرسالة أو ربما تغاضت عنها عمدا ، لكنها تفاعلت مع الرسالة الثانية ، وقدمت له الدعوة لزيارتها وسرعان ما لبى أسياس الدعوة وأرسلت طائرة لتأتيها بأسياس فهل فعلت ذلك خضوعا لابتزازه أم أتت دعوتها له لترويضه والضرب على يده وأستخدام سياسة العصى والجزرة معه؟ الحقيقة ما حدث لا يعلمه إلا طرفي المحادثات، حيث لم تنشر معلومات كثيرة عن الزيارة التي استمرت لثلاثة أيام ، ولم تتحدث وسائل الإعلام السعودية عن أي دعم أو استثمارات ، فأكتفت بالأخبار البروتكولية وقالت أن جلسة المباحثات الرسمية بين أسياس أفورقي والملك سلمان بن عبدالعزيز تم خلالها استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين، ومستجدات الأحداث في القرن الإفريقي والمنطقة ، وكذلك تم التأكيد فيها على أهمية ودور مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ((الذي كان محل الابتزاز)) في تنمية وتعزيز فرص التعاون في شتى المجالات.
كذلك في لقاء الطاغية مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، تم استعراض أوجه العلاقات الثنائية ومجالات التعاون المشترك ومستجدات الأحداث الإقليمية والجهود المبذولة تجاهها ، كما تم التأكيد على أهمية دور مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ، والفرص الواعدة والمشتركة بين دول المجلس.
أما وزارة إعلام النظام الارتري في موقعها فقد أضافت على الأخبار التي نشرها الإعلام السعودي أن رأس النظام الارتري أشاد بالتحول الاقتصادي والاجتماعي العميق في السعودية ، وأنه سيكون لهذا التحول أهمية كبيرة، وأضافت كذلك أن أسياس التقى خلال زيارته العديد من رجال الأعمال السعوديين الذين لديهم رغبة في الاستثمار في إرتريا في مختلف قطاعات الطاقة وصيد الأسماك والزراعة والتعدين، وأشار إلى شراكة اقتصادية محتملة بين البلدين، وأكد لرجال الأعمال أن إرتريا ترحب بالاستثمار السعودي.
والاضافات التي أوردها اعلام الطاغية لم ترد في الاعلام السعودي ربما لأن السعودية لم تشاء أن تظهر متانة علاقتها به لأنها تعرفه وتعرف ألاعيبه ، والاحتمال الأرجح أنه لم يكن يهمها كل ذلك وركزت على ما يهمها وهو أن يأتي وتقرص أذنه وتحذره وتجعله يلحس كلامه فهذا على الأقل ما ظهر من خلال تأكيده على أهمية مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج وبهذا جعلته يتراجع عن كلامه السابق ، بينما نشرها إعلام النظام الارتري ليقول أن الطاغية قد حقق فتوحات كبيرة لارتريا وأن الرخاء قادم لإرتريا وما أحوج النظام لمثل هذه الدعايات التي ينطبق عليها المثل القائل “أسمع جعجعة ولا أرى طحناً”
ختاما السعوديون الذين يحاول أسياس إبتزازهم يفترض فيهم أن يكونوا الأكثر معرفة بإرتريا وما يتوقعه منهم شعبها الذي يكن لهم الكثير من الحب والتقدير والاحترام وينتظر منهم انتشالهم من محنتهم مع نظام أسياس ، خاصة وأنهم الأكثر معرفة بالطاغية أسياس وسلوكه الشخصي الذي لا يعرف للوسطية معنى والعيش في مساواة مع الآخر وفقا لعلاقات سوية ويؤمن إيمان مطلق بأن يخضع الآخر لإرادته أو يكون الآخر قويا و يخضعه لإرادته فهكذا تربي وهكذا نشأ ، فتاريخه كله مبني على نقاط ضعف الآخر مهما كان هذا الآخر صديقاً أم عدواً ، أما العلاقات السوية فلا يعرفها ، لهذا هو في حالة بحث دائم عن نقاط ضعف الآخر لاستغلالها ولا يردعه عن ذلك إلا قوة الطرف الآخر والعمل معه بالندية تحت كل الظروف ومهما كانت المبررات فهو لا يخضع إلا لمن يستشعر منه القوة والمقدرة على الحاق الأذى به وليس هناك أكثر أذى يمكن أن يلحق بأسياس من دعم خصومه الذين تعرف السعودية طريقهم، فوقتذاك فقط يمكن أن يتعامل بعقلانية وينحي انتهازيته وأذيته للآخر جانبا.
و يكفي السعودية عظة أن تراجع علاقاته الأنتهازية مع كل من نظام الانقاذ البائد ونظام علي عبدالله صالح والصومال وجيبوتي وقطر فكلهم شربوا من نفس الكأس الذي لا محالة سيسقي منه السعودية إن لم يكونوا أكثر إدراكا منه ويستخدمون معرفتهم به وبسلوكه ضده خاصة وأنهم لديهم تاريخ طويل معه وقد سبق وأن لدغوا منه مرات عدة والحديث النبوي الشريف يقول “لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ” .
وأخيرا كل ما نرجوه أن يستخدم السعوديون معرفتهم الجيدة به قبل فوات الأوان ويعالجوا داء أسياس بالترياق المناسب له وأن يهتموا بعلاقاتهم الاستراتيجية ويسعوا في بنائها مع الأطراف الصحيحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.