الرئيسية / كلمة المحرر / الطاغية أسياس وتقمصه لدور المفكر وإدعاء تضرره من الأنقاذ !!!

الطاغية أسياس وتقمصه لدور المفكر وإدعاء تضرره من الأنقاذ !!!

 

تابعنا الأسبوع الماضي لقاء الطاغية أسياس أفورقي الذي بثه تلفزيون أسمرا ، وقد تحدث فيه عن عدة قضايا ركز فيها تركيز شبه تام على القضايا الخارجية ، وبقليل من التدقيق يمكن الإدراك أن اللقاء كعادته معد له مسبقا مع نفس الصحفيان و يبدو أنهما أجادا تمثيل الدور كما فعل رئيسهما ، والواضح كذلك لكل متابع للشأن الارتري أن الدكتاتور قد بذل جهود كبيرة في الاعداد بقصد إيهام المتابع ان أسياس رجل يمتلك معلومات غزيرة وقراءة تحليلية لما يدور حول ارتريا ، وهو فعل عادة ما يفعله كل الدكتاتوريون “تحسين الصورة الذهنية” لهذا نجده يمثل دور الخبير في الشأن الدولي والاقليمي فيوزع الاتهامات هنا وهناك يصف هذا بالدكتاتور وذاك بمصدر الارهاب ويضيف أن نظامه أستهدف من الجميع وبأدوات الجميع ، ثم يتحدث عن الحريات في إثيوبيا ويتهم الجبهة الثورية الاثيوبية الحاكمة في فترة حكم التقراى بأنها ضيقت على الاثيوبيين ويقول أن نظامهم كان نظام أقلية ويتهجم على نظام الحكم الفيدرالي الأثني ويرجع ما تعانيه أثيوبيا اليوم من مشاكل إليه، وعن السلام بين البلدين الذي مازال يراوح مكانه يعزي الأمر إلى الجبهة الشعبية لتحرير تقراي (الوياني) في عدم تنفيذ الأتفاق ويثني على الدكتور أبي أحمد ، أما مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي شارك فيه وزير خارجيته في مطلع شهر يناير الماضي في السعودية يعتبره ملتقى للعلاقات العامة والمجاملات ، أما عن السودان وحكومته السابقة قال أن نظامه كان أول المتضررين ، لهذا أنهم سوف لن يتخلون عن السودان وثورته التي نجحت في اسقاط نظام البشير ، وهذه نقطة لأهميتها سنفصل في الحديث عنها لاحقاً ، وفوق هذا وذاك عندما يأتي إلى الشأن الارتري الداخلي يعتبر أن المؤامرة الخارجية هى السبب في تكبيل ارتريا من أن تخطو خطوات متسارعة نحو التنمية .
السؤال المحوري هنا هو أن الدكتاتور يتحدث عن حقوق الشعوب ويساند ثوراتها ضد الدكتاتورية من أجل قيام الحكم الراشد ، بل ويسعى جاهدا لاسقاط الأنظمة التي يعتبرها دكتاتورية وغير ديمقراطية في المنطقة ، وفي نفس الوقت ينسى أو يتناسى أنه يتكيء على نظام فرد متسلط لا يمتلك شرعية دستورية و يحكم دون مؤسسات طيلة الثلاثون عاما الماضية ، ومع كل ذلك يمنح نفسه حق إصدار الأحكام على الغير؟
والحالة التي يعاني منها أسياس معروفة ومشخصة تشخيصا دقيقاً وله أشباهه الكثر من الدكتاتوريين ، ورغم هذا هناك عوامل على الصعيدين الداخلي والخارجي ساعدته في أن يقوى عوده ويزداد جبروته ، فعلى الصعيد الداخلي أستغل أسياس تعطش الشعب الإرتري للحرية وبزوق فجر الحرية بمعناها الواسع وأعتقاد قطاعات واسعة أن النظام نظامها ويجب أن تحميه بكل الوسائل ، الأمر الذي أوجد لأسياس مساحات شاسعة للطغيان ،و رغم أن مؤشرات الطغيان ظهرت مبكرا إلا أن تلك القطاعات كانت ترفض حتى مجرد الأستماع للحديث حول ذلك .
يحضرنا هنا أن مجلة الأمانة وهى مجلة دورية كان يصدرها حزب الجبهة الشعبية ، أجرى محررها لقاء مطول مع الدكتاتور افورقي وضمن الأسئلة التي سأله لها سؤال غريب بعض الشيء، حيث قال سيدى الرئيس : بعد عمر طويل كيف تتصور أرتريا بدون أسياس افورقي؟ وكانت إجابة أفورقي أغرب من السؤال نفسه حيث قال بالنص( أتفهم ذلك) وكان اللقاء في وقت مبكر جدا عام 1996م (تقريباً) .

وعلى الصعيد الخارجي ما هو قائم الآن في إرتريا هو محاكاة لما حوله واستلهام لسياسات وأفعال معاصريه و من سبقوه من الدكتاتوريين فالذي يُغيب في سجونه أكثر من عشر آلاف معتقل بلا محاكمات لأكثر من عشرين عاما ويسوم شعبه سوء العذاب إذا لم يعاقبه المجتمع الدولي بالتأكيد ستزداد شراسته وجبروته ، وإذا أضفنا لذلك هشاشة الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة وإنشغال كل دول المنطقة بأوضاعها الخاصة الأمر الذي أثر بشكل مباشر على أن يبرز الطاغية ويصدق نفسه أنه فيلسوف زمانه ويستمر في غيه وجبروته ، وكانت نتيجة ذلك أنه لم يسلم من شر طغيانه أحد بداية بالشعب الارتري ثم اليمن وتلتها السودان ، والأقوى كانت مع أثيوبيا وحرب السنتين (1998 ـ 2000م) وحتى الصومال لم تسلم من شره رغم بعدها المكاني ، وأخيرا جيبوتي ، وفي هذا المضمار يمكن أن نستشهد بموقف السودان الرسمي الذي كان يمثله الأنقاذ ودوره في صناعة جبروت الطاغية أسياس وهنا نحن نفصل الرسمي الذي تمثله الفئة الحاكمة عن الشعبي الذي تمثله كل قطاعات الشعب السوداني وقواه الحية فقد كانت له أيادي بيضاء ولازالت تجاه شعب ارتريا وثورته التحررية ، ومواقفه في ذلك مشهودة لأنها مبدئية و راسخة ، أما ما سنتحدث عنه هو السودان الرسمي الذي كان يمثله (الأنقاذ) والذي ساعد في تقوية جبروت الطاغية أسياس بعكس ما يدعي الآن أسياس في لقائه الأخير ، والمجال هنا لا يتسع لحصر كل العلائق التي جمعت الأنقاذ بنظام الطاغية لهذا سنركز على ما أنعكس سلباً على المعارضة الإرترية نتيجة تلك العلاقة ، وحتى تكون الصورة واضحة بكل أبعادها العلاقة بين الأنقاذ و نظام الطاغية كانت أعمق مما كانت ظاهرة على السطح فقد كان الطرفان يحرصان على عدم اظهار تفاصيلها لأنهما كانا على طرفي نقيض بالمعنى الحرفي للكلمة ولا نرى داعي للتفصيل في ذلك ، وقد سبقت علاقتهما أستقلال إرتريا وبدأت مع بدايات الانقاذ عام 1989م عندما شاركات وحدات من الجيش السوداني في المعارك الشرسة المعروفة بمعارك (نادو إز) في منطقة الساحل الارترية ثم مساهمة أخرى من الجيش السوداني في معركة تحرير مصوع (فنقل) قبيل جلاء الجيش الأثيوبي من كل الأراضي الإرترية، ثم رد الجميل جاء من الطاغية عندما شاركت قواته في معارك تحرير الكرمك وغيسان السودانيتين ، بالإضافة لوجود عدد لا بأس به من كادر الأنقاذ في المعسكرات الخلفية للجبهة الشعبية في منطقة الساحل وأشهر من وجدوا في تلك المعسكرات غازي صلاح الدين العتباني.
وقد تميزت علاقة النظامين بإرتماء نظام الأنقاذ في أحضان نظام الطاغية أسياس لدرجة الغرق وهو يعلم علم اليقين ان نظام أسياس أسوء ما انتجته البشرية وأنه أكثر ضرراً عليه وعلى السودان من أي شيء آخر ، و على الرغم من هذه المعرفة كان كل يوم تزداد حكومة الأنقاذ خوفا منه و ألتصاقاً به ورضوخاً وخنوعاً له لأسباب تكاد تكون مجهولة لكنها لا تخرج من دائرة الجهل وإدعاء المعرفة والقراءات والتصورات الخاطئة ، و رغم أن العلاقة بينهما في أسوء الفروض يفترض أن تكون متكافئة إلا أن الجهة المسيطرة وصاحبة اليد العليا كان نظام أسياس ، وقد تجلت تلك السيطرة في سلوك حكومة الأنقاذ بشكل واضح وأخذت عدة أشكال حيث ضيق الانقاذ طيلة الثلاثون عاماً على المعارضين و وصل به الأمر إلى درجة التغاضي عن أغتيالات وأختطافات المعارضين التي كان ينفذها نظام أسمرا في أراضيه وأحيانا مساعدة الأنقاذ فيها سوى بالتغاضي عنه أو بالمشاركة الفعلية فقد كانت هناك دائما أيادي تابعة له تمتد في الظلام لكن ليس بمقدورنا التأكيد إن كانت تلك الأيدي تمتد بعلمه أو بغير علمه ، وفي أوقات أخرى قام بابعاد معارضين أرتريين من أراضيه بغير جريرة أرتكبوها فقط إرضاء للطاغية. وعموما الأنقاذ مارس سياسة زرع الخوف بأبشع صورها في فصائل المعارضة الارترية ، و كان يحسب عليهم النفس رغم حرصهم العالي على سيادة السودان وألتزامهم بتوجيهات الأجهزة السودانية حرفيا ، كما وصل الأمر بنظام الأنقاذ أن يوظف علاقته الخارجية لصالح الطاغية بأن ينصح ويضغط على الدول الصديقة العربية والأفريقية بأن لا يتعاملوا مع المعارضة الإرترية ، لهذا كان نظام الأنقاذ يجتهد في اظهار مساويْ المعارضة الارترية مبديا حرصه على نظام الطاغية ، وكان ينفذ ما كان يمليه عليه نظام الطاغية خشية ورغبة ، لهذا مارس الأنقاذ كل سبل التعطيل للمعارضة الارترية بينما كان تعامل أسياس مع كل مناويء الأنقاذ عكس ذلك تماما فحتى اللحظة بعض معسكراتهم قائمة في إرتريا ، كما أن الأنقاذ لم يراعٍ سيادة السودان ولا حتى كبرياء وشهامة الانسان السوداني فقد كان خانعا للطاغية أسياس بصورة مذلة ومخجلة ، فالطاغية أسياس هو من كان يتحكم فيه ويملي عليه تصرفاته وهو كان يقبل ويصبر على كل ذلك بلا أي خجل ، كما أن نظام أسياس كان يرتكب كل الموبقات في الأراضي السودانية عبر سفارته وقنصليته و أجهزة أمنه التي كانت تعيث فسادا في السودان بعلم سلطات الأنقاذ ومع هذا لم تتحرك ضده قيد أنملة ، أما الدور الأخطر فقد كانت تلعبه شركات الطاغية في السودان و التي كان كل همها المتاجرة فيما كان يجلبه السودان بالعملة الصعبة لتقوم بتهريبه لإرتريا وكذلك المتاجرة في ثروات السودان كالماشية وتصديرها عبر إرتريا لبقية دول العالم ، أما قضية تحكمه في الحدود بين البلدين فتلك قصة أخرى مؤلمة فقد كان نظام الطاغية أسياس متى شاء يقفلها ويعيد فتحها حسب ضروراته ومتطلبات سماسرة التهريب الذين يرعاهم ليعيثوا في الاقتصاد السوداني فسادا ، وكان بين فترة وأخرى يفتعل مشكلة لتبرير ذلك وتحميلها لحكومة الأنقاذ.
وبتتبع بسيط لما سردناه سيتضح أن الخاسر الأكبر لذهاب نظام الأنقاذ إلى غير رجعة هو نظام الطاغية أسياس وليس العكس كما ذكر في لقائه الأخير وأدعى أنه أحد ضحاياه ، فالآن فقط أصبح ظهره مكشوفا بعد أن فقد النظام الذي كان يسيطر عليه سيطرة تامة ويملي عليه كل تصرفاته ، وما كان سيستبدله لو كان الأمر بيده ، لكن إرادة الشعب السوداني وقواه الحية كانت أقوى من رغباته وتمنياته ومقدرته على الفعل ، لهذا بسقوط الأنقاذ أصبح ليس أمامه من خيار سوى مغازلة قوى الثورة في العلن والبحث عن نقاط ضعفها بأسرع ما يمكنه ذلك ليستغلها أبشع استغلال ، فتاريخه كله مبني على نقاط ضعف الآخر ولا يهم إن كان هذا الآخر صديقاً أم عدواً ، أما العلاقات السوية فلا يعرفها وإن عرفها هو يعتقد عدم جدواها لهذا هو دائم البحث عن نقاط ضعف الآخر لاستغلالها ولا يردعه عن ذلك إلا قوة شكيمة نظيره والتعامل معه بالندية تحت كل الظروف ومهما كانت المبررات فهو من النوع الذي يفترض أن الجميع خصومه ويجتهد في تكسيرهم مهما كلفه ذلك ولم يغلبه في ذلك إلا الأثيوبيون ، حيث يعرفهم ويعرفونه نتيجة المشتركات الكثيرة التي تجمعهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.