الرئيسية / الرئيسية / إيجاد التنوع قضية مهمة لبقاء التنظيمات وفاعليتها !!! / علي عافه إدريس

إيجاد التنوع قضية مهمة لبقاء التنظيمات وفاعليتها !!! / علي عافه إدريس

رغم أن ظاهرة فقدان التنوع ظاهرة تكاد تكون عامة في كل تنظيماتنا المعارضة إلا من استثناءات تكاد لا تذكر ، ولكني سأتخذ من الجبهة نموذجا لتسهيل عملية الإسقاطات لكي أتجنب الاحتكاكات غير الحميدة مع بقية عضوية التنظيمات  في حالة إذا فهم مقالي هذا على غير ما أردت ، كما أن شعار إيجاد التنوع المرفوع من قبل قيادة الجبهة في ثوبها الجديد يدفعني هو الآخر لاتخاذها نموذجاً .

من البديهي عند مناقشة ظاهرة ما لمعالجتها أن نناقش متى وكيف ولماذا نشأت؟ أعتقد أن ظاهرة فقدان التنوع قد بدأت في الجبهة من وقت مبكر جدا  وتحديدا منذ العام 1970م فخروج قوات التحرير الشعبية نتيجة خلاف سياسي بين قيادات الجبهة التاريخيين لفشلهم في إدارة خلافاتهم التي تكاد تكون طبيعية في أي عمل سياسي هي أحد أهم الأسباب ، فالقوة التي خرجت كانت متنوعة بتنوع الشعب الأرتري إلى حدٍ ما وكذلك القوة التي بقت في الجبهة ، إلا أن هناك مكون اجتماعي وإقليمي يكاد يكون كله أنحاز لقوات التحرير الشعبية ماعدا استثناءات لا تكاد تذكر وترك مكانه شاغرا في الجبهة ومكونين آخرين لم يتركا مكانيهما شاغرين إلا أن وجودهما أصبح ضعيفا داخل الجبهة بشكل كبير ثم جاءت أحداث الجبهة الكبرى ودخولها السودان وبعيدا عن التفاصيل والمسببات ، انقسمت الجبهة إلى عدة فصائل متناحرة كل منها يحمل سبب الفشل للآخر ويحتكر الشرعية لنفسه ورغم أن هذه الفصائل ظاهر خلافها كان طابعه سياسي لكن تركيبتها الاجتماعية من مكونات محدودة لم تكن تخطئه العين وإن كان أقل وضوحا مما حدث لاحقاً حيث أخذ فقدان التنوع يصبح أكثر وضوحا كلما بعدت الشقة مع النشأة الأولى ، ثم جاءت تجربة التنظيم الموحد في منتصف الثمانينيات لتزيد الطين بلة بخروج ملفت لأكثر من مكون ، وتبعتها بعد فترة الوحدة مع جبهة التحرير الأرترية ـ المجلس الوطني لتعزز وجود المكون الأكبر من بين المكونات ، حيث أن التنظيمان اللذان توحدا المكون المسيطر عليهما كان واحداً .

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المقام هو ، كيف يمكننا إعادة التنوع  لسابق عهده ؟ للإجابة على هذا السؤال يجب البحث عن سبب حدوث فقدان التنوع حتى يتسنى لنا البحث عن معالجات له ومن ثم إعادة الأمور لنصابها الطبيعي .. وهنا الإجابة التي تخطر على البال كسبب مباشر لحدوث فقدان التنوع هي أنه كان نتيجة طبيعية لفقدان الثقة بين المكونات ، وهذه الإجابة الأولية البسيطة تجرنا مرة أخرى لطرح سؤال آخر من الطبيعي أن يطرح في هذا المقام عندما تأتي الإجابة على المنوال الذي أتت به ، والسؤال هو ، لماذا فقدت الثقة بين المكونات الاجتماعية؟

في تقديري أن الثقة بين المكونات الاجتماعية فقدت لعدة أسباب منها المباشر وغير المباشر ويمكن تفصيلها على النحو التالي :

  • الأسباب المباشرة:
  1. القابلية للتكتل : الشعب الأرتري شعب سمح ودود بسيط متعايش يغلب عليه الطابع الريفي (البدوي) و حتى الذين يسكنون المدن معظمهم لايزال مرتبط بمرجعياته الاجتماعية لهذا من الطبيعي أن يتكئ على مكوناته الاجتماعية البدائية ويتمسك بها بشدة كما أن الظروف المحيطة به لم تساعده في تخفيف ارتباطه بالقبيلة ، والجزء الذي يمكن استثناءه من ذلك بسيط ، و سماته تلك لا تدفعه البتة إلى التكتل وإقصاء الآخر إلا إذا تدخلت عوامل أخرى لهذا وصفتها بالقابلية للتكتل .
  2. اختلاط الشأن السياسي بالاجتماعي : الروابط الاجتماعية والمناطقية تأثيرها في الشأن السياسي كان دائما حاضرا و واضحا في تاريخنا منذ الأربعينيات ولم تكن وليدة وقتنا الحاضر فأول برلمان أرتري كان عبارة عن تمثيل على أساس القبيلة بالنسبة للمسلمين مع وجود بعض الاستثناءات وعلى أساس المنطقة بالنسبة للمسيحيين .
  3. الاستخدام السياسي للانتماءات الاجتماعية : لقد دأب المشتغلين بالسياسة الأرترية على استباحة كل شيء بلا وازع من ضمير ، فهم يستغلون مكوناتهم الاجتماعية وثقلها في الحصول على المغانم السياسية والمادية ، وكذلك يستغلونها عند الخلاف في تقوية مواقفهم عبر تصوير الخلاف السياسي الذي حدث بينهم وبين نظرائهم على أنه استهداف مبيت للمكون الاجتماعي الذي ينتمون إليه ، وبالتالي تحول المكون الاجتماعي رهينة لدى السياسي.
  • الأسباب غير المباشرة :

  الأسباب غير المباشرة هي في غالبها أسباب ناتجة عن الممارسات السياسية الخاطئة داخل التنظيمات :

  1. المحاصصات : غالبا ما يلجأ السياسيون إلى المحاصصة كأسلوب لتكوين التنظيمات ابتداءً أو للمحافظة على بقاء التنوع داخله وهذه أحد أكبر الأخطاء التي يرتكبونها وهم يعتقدون أنهم يحسنون صنعاً ، فالمحاصصات تفقد التنظيم قوته وتماسكه وتجعله رهينة لأطماع السياسيين الانتهازيين وتشجع غير الانتهازيين على الانتهازية وتقوي مركز الانتهازيين والعاملين لمصالحهم الشخصية، وعند أول اختلاف بين قيادة ذاك التنظيم يذهب البعض لحال سبيله بحثا عن محاصصة أفضل يخرج على أثرها كل المكون الاجتماعي الذي ينتمي له السياسي الذي صنعته المحاصصة .
  2. الملكية الخاصة : هناك فئة كبيرة من الناس لو تعودت أن تذهب إلى حديقة عامة تتحول تلك الحديقة في عقلهم الباطني لملكية خاصة ، وينعكس ذلك في اهتمامهم بها ثم تصور لهم عقولهم الخربة أنهم هم الحريصون و المؤتمنون عليها ، و لو ظهر زائر عادي للحديقة يصبح محل اهتمامهم وكأنه دخل مزرعتهم الخاصة ولو تكررت زيارته للحديقة يتحول لمحل شبهة ويتطور الاشتباه للبحث في نياته وعن ما يخطط له ، فهو بقدرة قادر تحول لعنصر مشبوه .

 أوردت مثال الحديقة حتى أبين إلى أي درجة يمكن أن يصل البشر في البحث عن الملكية الخاصة ، والإنسان سيكون سلوكه أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بتنظيم سياسي أصبح فيه عضو قبل صاحبه أو أن هناك رابط من أي نوع يربطه بقيادة التنظيم ، فهذا النوع من الإحساس بالملكية قوي وسريع تصديقه من قبل الباحثين عن الملكية ، وخطورته أن الطرف الآخر الذي يمارسه ضده هذا الفعل لا يرجعه لأسبابه الحقيقية لأن الناس مجبولة على التفسيرات السهلة إلا من رحم ربي ، والتفسير السهل هنا هو أن هذا الشخص يتصرف لأن كل من هو موجود في التنظيم يمت بصلة لهذا المدعي ، وبناء على ذلك عليه الانصراف والبحث عن ملكية خاصة له في تنظيم آخر، والملكية الخاصة التي سيبحث عنها هي حيث يوجد مكونه الاجتماعي ويحس بالأمان معه ، وهو هنا بالتأكيد مخطئ لأن الملكية الخاصة لا حدود لها فهي إن كانت لا توجد في المكون عندما يكون في حالة صراع مع المكونات الأخرى ، إلا أنها ستظهر بشكل فج عندما يخلو الجو للمكون فينقسم على مكوناته التحتية وتظهر الملكيات الخاصة المرتبطة بأفضلية فروع المكون تبعا لمن هو متصدر .

  1. صراع القديم والجديد : صراع القديم والجديد هو صراع أزلي وقديم قدم البشرية وهو أقرب في بعض جوانبه للملكية الخاصة ، وهو عادة يحدث عندما ينفتح التنظيم على الجميع ويسعى لتغيير صورته النمطية سواء كان في أسلوب العمل وطريقة تنفيذه أو في اتخاذ أهداف كبيرة وعظيمة تقنع قطاعات واسعة ، أو في تميز قيادته في طريقة تفكيرها وطرح أفكارها ، ويتخذ الصراع أشكالا متعددة منها سعي القديم لوضع ضوابط والتشدد فيها ، ظاهرها البحث عن الانضباط والحرص على التنظيم وجوهرها احتكار التنظيم لأهل السبق كما يرسمون هم صورتهم ، ومن صورها أيضا ظهور السلبية لدى القديم وقعوده عن العمل ظاهره حجج واهية وجوهره احتجاج مبطن وابتزاز رخيص ، وحلها يمكن عبر التوجيهات المستمرة و الزج بالملتحقين الجدد والعائدين من التجميد بلا أي قيود في العمل جنبا إلى جنب مع العناصر القديمة مع التركيز على التوعية المستمرة بالايجابيات والتحذير من مغبة عدم احتواء القادمين ومساواتهم في الحقوق والواجبات ، فمن شأن ذلك الحد من الظاهرة والتقليل من تأثيرها على التنظيم .

قد أكون مخطئاً في تشخيصي فهو مجرد اجتهاد قابل للصواب والخطأ ، لكني بالتأكيد لست مخطئاً في محاولة التفكير رغبة في الوصول لتشخيص صحيح ، وإن كنت مصيبا أم مخطئاً في التشخيص هذا لا يهم كثيرا ، فالمهم هو طريقة وأسلوب التفكير للوصول للتشخيص الصحيح وهذه يمكن اعتبارها دعوة للجميع للتفكير وإعمال العقل بحثا عن تشخيص صحيح ، وحتى لا أترك الأمر معلقا سأحاول الاجتهاد في الطريقة المثلى لحل هذه المشكلة بافتراض صحة تشخيصي .

ما الحل ؟

في اعتقادي الحل يكمن في أمرين مهمين للغاية :

الأمر الأول : إيجاد عامل النجاح الأقوى على الإطلاق في أي عمل جماعي ، وهو المجموعة الصلبة ، والمجموعة الصلبة ليست مجرد مجموعة أشخاص يطلقون على أنفسهم مسمى مجموعة صلبة كالمجموعات المصلحية مهما كانت تلك المصلحة (عدا المصلحة العامة) ، ومن نماذجها المجموعات  الحزبية أو العقدية ، والانتهازية ، فهذه تتكون على أساس الفكرة أو المصلحة التي تجمعهم دون أن يكون لأعضائها الحد الأدنى من المواصفات البشرية السمحة التي سنذكرها لاحقا ، لهذا تكون أخطر تجمع يمكن أن يواجهه أي عمل جماعي وهي سهلة التكوين ولا تحتاج لجهد كبير لتكوينها فقط تحتاج للمصلحة المشتركة حتى تتكون.

 أما المجموعة الصلبة التي أقصد ، هي مجموعة ذات مواصفات خاصة ويحتاج تكوينها لجهد كبير ووعي متقدم جدا ، وطالما الأمر هكذا ما هي مواصفات شخصيات المجموعة الصلبة؟ مواصفات الأشخاص المكونين للمجموعة الصلبة صعب حصرها لكن يمكن القول أنها كل الصفات الجميلة في البشر ، وأنا هنا سأجتهد في ذكر بعضها :

  • الصدق ، الأمانة ، الإخلاص ، التواضع ، نكران الذات ، العدل والإنصاف .
  • الوعي المتقدم في كل شيء وأول تلك الأشياء معرفة المجتمع وأمراضه.
  • الإيمان الراسخ الذي لا تزعزعه الظروف وتقلباتها بالهدف الذي من أجله يعمل التنظيم، والفرد منها إن تزعزع إيمانه يحترم عهوده ويحفظ ود من عمل معهم.
  • الزهد في المناصب والمسئوليات وحب الظهور.
  • انتفاء المصالح الشخصية لتحل محلها المصلحة العامة .
  • الخلو من الأمراض الاجتماعية كالقبلية والمناطقية وعموما الأمراض الاجتماعية لا يمكن أن تجتمع في شخص مع الصفات الجميلة التي ذكرتها عاليه .

والمجموعة الصلبة عندما يتوافر ابتداءً الوعي بأهميتها سهل تكوينها لكنها تحتاج لوقت ، فهي تحتاج فقط للوعي بأهميتها ثم بذل القليل من الجهد لإيجادها ، وتبدأ بالالتقاء بين شخصين عرفا بعضهما جيدا ، ثم تكبر إلى أن تصل لمرحلة التأثير الايجابي في سير العمل داخل التنظيم وتقلد المناصب والمهام به ، مستغلة ثقة العضوية بها وبصفاتها السمحة ، وهذه المجموعة عددها لا يهم كثيرا ، فالمهم هو أن تكون متنوعة و لها القدرة في التأثير على سير العمل في التنظيم فبوجودها ستتحقق العدالة ويحافظ التنظيم على تماسكه وترابطه ويتقدم ليحقق أهدافه الكبرى ، فكل ما تفعله داخل التنظيم التأكيد ودعم السلوكيات القويمة و تقويم المعوج والتأثير في المؤتمرات لإيجاد قيادة جيدة واعية متنوعة بتنوع الوطن ، ومحاربة المحاصصات  وتنقية الأجواء من الباحثين عن الملكيات الخاصة وسيء السلوك ودعم الجيدين ودفعهم للصفوف الأمامية … وباختصار يمكنها فعل الكثير الجميل الذي يصعب حصره بلا جهد كبير و دون أن يعطلها ذلك من تأدية المهام الموكلة إليها بشكل فردي .

 

الأمر الثاني : أن يسعى التنظيم لإيجاد ضوابط واضحة تحدد الواجبات والحقوق والمسئوليات والمهام بطريقة لا لبس فيها ، ثم يوعي بها أعضائه من القمة حتى القاعدة ويتشدد في تطبيقها مهما كلفه ذلك من تضحيات وخسائر ، إلى أن تتحول تلك الضوابط لسلوك يسلكه الجميع .

ختاماً لكم مني كل الود والتقدير والاحترام

علي عافه إدريس

7 تعليقات

  1. الدكتور ياسين مدني

    شكرا الأخ الأستاذ علي على هذا المقال الذى يشخص حالة عدم الاستفادة من التوع وجعله عامل ثراء بدل تفرق المقال يتناول إشكالية عدم إدارة التنوع وهى إشكالية سوف تعاني منها المعرضة ان لم تحسن التعامل معها

  2. My spouѕe and I stumbled over herе Ьy a different
    page and thought I should chsck thingѕ out. I like
    what I see so now i am following you. Loooқ forward too loоking oѵer youjr web
    page for a secоnd tіme. http://www.cnookr.cn/comment/html/?128659.html

  3. I am sure this post has touched all the
    internet users, its really really pleasant piece of writing on building up new blog https://checkersmoda.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.